يتحقق ولكنه كان يرجو فالأفضل النصح والزجر بالتلطف أو بالتغليظ إن كان هو الأنفع ، فإما الإعراض عن جواب سلامه والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه يصر وأن النصح ليس ينفعه فهذا فيه نظر وسير العلماء فيه مختلفة ، والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف نية الرجل فعند هذا يقال الأعمال بالنيات إذ في الرفق والنظر بعين الرحمة إلى الخلق نوع من التواضع وفي العنف والإعراض نوع من الزجر والمستفتى فيه القلب ، فما يراه أميل إلى هواه ومقتضى طبعه فالأولى ضده إذ قد يكون استخفافه وعنفه عن كبر وعجب والتذاذ بإظهار العلو والإدلال بالصلاح وقد يكون رفقه عن مداهنة واستمالة قلب للوصول به إلى غرض أو لخوف من تأثير وحشته ونفرته في جاه أو مال بظن قريب أو بعيد وكل ذلك مردد على إشارات الشيطان وبعيد عن أعمال أهل الآخرة ؛ فكل راغب في أعمال الدين مجتهد مع نفسه في التفتيش عن هذه الدقائق ومراقبة هذه الأحوال والقلب هو المفتي فيه وقد يصيب الحق في اجتهاده وقد يخطئ وقد يقدم على اتباع هواه وهو عالم به وقد يقدم وهو بحكم الغرور ظان أنه عامل للّه وسالك طريق الآخرة .
شرح
ولكنه كان يرجوه ) منه ( فالأفضل النصح والزجر بالتلطف أو بالغليظ إن كان هو الأنفع ، فأما الإعراض عن جواب سلامه والكف عن مخالطته حيث يعلم أنه مصر ) عليه ( وأن النصح ليس ينفعه فهذا فيه نظر وسير العلماء فيه ) أي طرائقهم ( مختلفة ، والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف نية الرجل فعند هذا يقال : « الأعمال بالنيات » ) وقد رواه هكذا الإمام أبو حنيفة وابن حبان في صحيحه من حديث عمر ، والمشهور في لفظه : « إنما الأعمال بالنيات » وقد تقدم وسيأتي لذلك شرح وتفصيل في محله . ( إذ في الرفق والنظر بعين الرحمة إلى الخلق نوع من التواضع ) لجلال اللّه وكبريائه ، ( وفي العنف والإعراض نوع من الكبر والعجب والمستفتى فيه القلب ) الذي رد إليه الأمر فيه . ( فما يراه أميل إلى هواه ومقتضى طبعه فالأولى ضده ) وخلافه ( إذ قد يكون استخفافه وعنفه عن ) باعث ( كبر وعجب والتذاذ بإظهار العلو ) عليه ( والإدلال بالصلاح ) أي بصلاح نفسه ، ( وقد يكون رفقه ) ولينه ( عن ) باعث ( مداهنة واستمالة قلب للوصول إلى غرض ) من الأغراض الدنيوية ، ( أو لخوف من تأثير وحشة ونفرة في مال أو جاه ) سواء ( علم ذلك بظن قريب أو بعيد ، وكل ذلك تردد على إشارات الشيطان ) ورموزه وتخيلاته ( وبعيد عن أعمال الآخرة ، فكل راغب في أعمال الدين مجتهد مع نفسه في التفتيش ) والبحث والتنقير ( عن هذه الدقائق ) الخفية ( ومراقبة هذه الأحوال ) المختلفة ، ( والقلب هو المستفتى فيه ) فيما يرد عليه ( وقد يصيب الحق في اجتهاده ) إن وافاه التوفيق ( وقد يخطئ ) عن الإصابة ، ( وقد يقدم على اتباع هواه ) بما يهواه ( وهو عالم به وقد يقدم وهو بحكم الغرور ظان أنه عامل للّه وسالك