وأما الحزن المحمود ؛ فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه ، وبكاؤه على خطاياه . والبكاء والتباكي والحزن والتحازن على ذلك محمود وعليه بكاء آدم عليه السلام .
وتحريك هذا الحزن وتقويته محمود لأنه يبعث على التشمير للتدارك ، ولذلك كانت نياحة داود عليه السلام محمودة إذ كان ذلك مع دوام الحزن وطول البكاء بسبب الخطايا والذنوب ، فقد كان عليه السلام يبكي ويبكي ويحزن ويحزن حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته . وكان يفعل ذلك بألفاظه وألحانه ، وذلك محمود لأن المفضي إلى المحمود محمود . وعلى هذا لا يحرم على الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرققة للقلب ولا أن يبكي ويتباكى ليتوصل به إلى تبكية غيره وإثارة حزنه .
شرح
النياحة ) رواه البخاري ومسلم من حديث أم عطية أخذ علينا النبي صلّى اللّه عليه وسلم في البيعة أن لا ننوح ، وروى أبو داود بلفظ : « نهى عن النياحة » وفي حديث معاوية « نهى عن النوح والشعر والتصاوير وجلود السباع والتبرج والغناء والذهب والخز والحرير » وعند البيهقي من حديث أبن عمر : « إن الميت ليعذب بما نيح عليه » وفي الذريعة للراغب قال بعض الحكماء : أسباب الحزن فقد محبوب أو فوت مطلوب ، ولا يسلم منهما الإنسان لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد ، واعلم أن الجزع على ما فات لا يلم ما تشعث ولا يرم ما انتكث ، وأما غمه على المستقبل فلا يخلو من ثلاثة أوجه : إما في شيء ممتنع كونه فليس لك من شأن العاقل فكذلك إن كان من قبيل الواجب كونه كالموت الذي هو حتم في رقاب العباد ، وإن كان ممكنا كونه فإن كان في الممكن الذي لا سبيل إلى دفعة كامكان الموت قبل الهرم فالحزن له جهل وإستجلاب غم إلى غم ، وإن كان من الممكن الذي يصح دفاعه فالوجه أن يحتال لدفاعه بعقل غير مشوب بحزن ، فمن علم أن ما جرى من حكمه وسبق في علمه لا سبيل إلى أن لا يكون هانت عليه النوب .
( وأما الحزن المحمود فهو حزن الإنسان على تقصيره في أمر دينه وبكاؤه على خطاياه .
والبكاء ) حقيقة ( والتباكي ) تكلفا ( و ) كذا ( الحزن والتحازن على ذلك محمود ) شرعا ، ( وعليه بكى آدم عليه السلام ) لما اهبط إلى الأرض على خطيئته . ( وتحريك هذا الحزن وتقويته محمود لأنه يبعث على التشمر ) والاجتهاد ( على التدارك ) لما فاته ، ( ولذلك كانت نياحة داود عليه السلام محمودة إذ كان ذلك مع دوام الحزن وطول البكاء بسبب الخطايا والذنوب ) بالإضافة إلى مقامه ، ( فقد كان يحزن ) في فواته ( ويحزن غيره ويبكي ويبكي ) غيره ( حتى كانت الجنائز ترفع من مجالس نياحته ) نقل ذلك القشيري في الرسالة وتقدم قريبا .
( وكان يعمل ذلك بألفاظه وألحانه ، وذلك محمود لأن المفضي إلى المحمود محمود ، ومن هذا لا يحرم على الواعظ الطيب الصوت أن ينشد على المنبر بألحانه الأشعار المحزنة المرققة للقلب ، وأن يبكي ويتباكى ليتوصل به إلى تبكية غيره وإثارة حزنه ) . وكان سبط بن