تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
الموزونة . ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته . ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات فحكمه حكم في القلب . قال أبو سليمان : السماع لا يجعل في القلب ما ليس فيه ولكن يحرك ما هو فيه ، فالترنم بالكلمات المسجعة الموزونة معتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب وهي سبعة مواضع .
شرح
الجمال والطيور بل على سائر البهائم فإن جميعها يتأثر بالنغمات الموزونة ) كما عرفت في الجمال ، ( ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته ) عند قراءة الزبور كما ذكره القشيري في الرسالة . ( ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلوب لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات فحكمه حكم ما في القلب ) فالمنكر له من غير تفصيل إما مغتر بما أتيح له من أعمال الأخيار ، وإما جامد الطبع لا ذوق له فيصر على الإنكار . ( قال أبو سليمان ) الداراني رحمه اللّه تعالى : ( السماع لا يحصل في القلب ما ليس فيه لكن يحرك ما فيه ) أي لا يحدث في القلب شيئا وإنما يحرك ما في القلب ، فمن كان يتعلق قلبه بغير اللّه يحركه السماع فيجد بالهوى ، ومن يتعلق باطنه بمحبة اللّه يجد بالإرادة إرادة القلب . ولفظ الرسالة . قال أبو سليمان : إن الصوت الحسن لا يدخل في القلب شيئا إنما يحرك من القلب ما فيه . قال ابن أبي الحواري : صدق واللّه أبو سليمان اه . وسبق تفصيله في كلام صاحب العوارف ، ونقضه القرطبي فقال : لا نسلم أن السماع يحرك ما غلب على قلبه ، وإنه يزيده حالا إلى حاله ووجدا إلى وجده ، فإن الغناء المطرب من حيث هو كذلك لا يستخرج من القلب خيرا ولا يكون فيه خير ، وإنما ينبت النفاق في القلب كما في الخبر ، ولئن سلمنا أنه يستخرج من القلب فلا يسلم أن كل ما كان كذلك كان مباحا بدليل الخمر فإنهما تظهر ما في قلب الشارب لها وهي مع ذلك محرمة ، ثم نقول : إن الذي يجده أرباب القلوب عند السماع لا يتوقف على الأصوات الطيبة الموزونة والنغمات المقطعة ، بل ذلك فتح من الحق وهبات لا يتوصل إليها بشيء من المحرمات ولا المكروهات ، وقد قيل : الطرب يسمع من صرير الباب وصوت الذباب اه . والجواب عن هذا ظاهر . ( فالترنم بالكلمات المسجعة الموزونة يعتاد في مواضع لأغراض مخصوصة ترتبط بها آثار في القلب ) وبه يحصل التغير للعبد من حال إلى حال ، ( وهي سبعة مواضع ) .