تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
يأكلون إلا عن فاقة ، وعند المذاكرة لأنهم لا يتحاورون إلا في مقامات الصديقين ، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا . وعن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات ، لأنه شبيه باللغو ، وقال اللّه تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ
[ البقرة : 225 ] هذا ما نقل من الأقاويل . ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل فيبقى متحيرا أو مائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهي ، وكل ذلك قصور بل ينبغي أن يطلب الحق بطريقه وذلك بالبحث عن مدارك الحظر والإباحة كما سنذكره .
شرح
الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواطن : عند الأكل لأنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ) لينشطوا للعبادة ، ( وعند المذاكرة ) في العلم ( لأنهم يتحاورون في مقامات الصديقين ) وأحوالهم ، ( وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ) صادق ( ويشهدون حقا ) نقله صاحب القوت والعوارف ، ولفظ القشيري في الرسالة ، وحكي عن جعفر بن نصير عن الجنيد أنه قال : تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن عند السماع فإنهم لا يسمعون إلا عن حق ، ولا يقولون إلا عن وجد ، وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة ، وعند مجاراة العلم فإنهم لا يذكرون إلا صفة الأولياء . ( وعن ابن جريج ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي أبو الوليد المكي ، روى عن عطاء وعمرو بن دينار . قال أحمد : هو من أوعية العلم ، وقال يحيى بن سعيد : صدوق مات سنة 150 روى له الجماعة ( أنه كان يرخص في السماع ) وقد تقدم ذلك في ترجمته مفصلا ، ( فقيل : أيؤتى به يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو . قال اللّه تعالى :لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ) قال ابن قتيبة : اختلف عند محمد بن إبراهيم في الغناء ، فبعث إلى ابن جريج وإلى عمرو بن عبيد فأتياه فسألهما فقال ابن جريج : لا بأس به جئت عطاء بن أبي رباح وقد ختن ولده وعنده الأبجر يغني ، فكان إذا سكت لا يقول له غن وإذا غنّى لا يقول له اسكت ، وإذا لحن ردّ عليه ، فقال عمرو بن عبيد : فأيهما يكتب الغناء الذي عن اليمين أو الذي عن الشمال ؟ فقال ابن جريج : لا يكتبه واحد منهما ، وقد تقدم هذا عند ترجمته قريبا . ( هذا ما نقل من الأقاويل ) في إباحة السماع ، ( ومن طلب الحق من التقليد فمهما استقصى تعارضت عند الأقاويل فيبقى متحيرا ) فيها ( أو مائلا إلى بعض الأقاويل ) دون بعض ، ( فكل ذلك قصور ) في المقام ، ( بل ينبغي أن يطلب الحق بطرائقه وذلك بالبحث عن مدارك الخطر والإباحة ) والتأمل فيها ( كما سنذكره ) فيما بعد .