تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال : فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلّا قلة ، حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء . ورأيت في بعض الكتب هذا محكيا بعينه عن الحرث المحاسبي وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشميره . قال : وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيها سماع .
شرح
هذا تجويز أصل السماع ، وإنما ينكر لما يعرضه من العوارض الخارجية ، ونقل هذا القول أيضا صاحب العوراف وقال عقبة وهذا قول صحيح ، ثم ساق حديث الجاريتين عند عائشة . ( وروي عن يحيى بن معاذ ) الرازي ( أنه قال : فقدنا ثلاثة أشياء فما أراها ولا أراها تزداد إلا قلة ) . أحدها : ( حسن الوجه ) أي صباحته أو المراد الاقبال والملقى في الظاهر بين الإخوان ( مع الصيانة ) عما لا تحل تعاطيه أو مع الصيانة للباطن عن التكلف ومخالفة الظاهر ، ( و ) الثاني : ( حسن القول ) أي التكلم بما يثاب عليه ( مع الديانة ) الحاصلة بالطاعات ، ( و ) الثالث : ( حسن الإخاء ) بأن ينظر كل واحد في حق أخيه كما ينظر في حق نفسه بل يؤثره على نفسه ( مع ) دوام ( الوفاء ) بذلك ، ( ورأيت في بعض الكتب هذا ) القول ( بعينه محكيا عن الحرث ) بن أسد ( المحاسبي ) رحمه اللّه تعالى . قلت : ذكره القشيري في الرسالة فقال : سمعت أبا حاتم السجستاني يقول : سمعت أبا نصر الصوفي يقول : سمعت الوجيهي يقول : سمعت أبا علي الروذباري يقول : كان الحرث بن أسد المحاسبي يقول : ثلاث إذا وجدن متع بهن ، وقد فقدناها : حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن الصوت مع الديانة ، وحسن الإخاء مع الوفاء . ( وفيه ما يدل على تجويزه لسماع الغناء مع زهده وتصاونه وجده في الدين وتشمره ) ولا يخفى أن هذا لا يتم إلا أن أريد بقوله حسن القول الإنشاد ، وأما على رواية القشيري حسن الصوت فظاهر لا يحتمل التأويل . ( قال ) أبو طالب : ( وكان ابن مجاهد ) يحتمل أنه أراد به أبا عبد اللّه بن مجاهد شيخ المتكلمين وهو شيخ القاضي أبي بكر الباقلاني ترجمه السبكي في الطبقات ، ويحتمل أنه أراد به أبا بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقري البغدادي المتوفي سنة 324 ، روى عنه الدارقطني وابن الجنابي وهو ثقة . ( لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيها سماع ) أما أبو بكر بن مجاهد فيدل له ما رواه الخطيب في التاريخ بسنده إلى أبي بكر الجنابي الحافظ قال : كنت جالسا عند أبي بكر بن مجاهد فأتاه بعض غلمانه فقال : يا أستاذ إن رأيت أن تجملني بحضورك غدا دارنا . فقال : ينبغي أن تدعو أبا بكر يغنينا فأقبل الفتى يسألني ، فقلت أريد ابن عريب ، فقال : السمع والطاعة ، فلما حضرنا طلبت ابن عريب ، فقال : حبسه عنا بعض الرؤساء فشق عليّ ، فقال أبو بكر بن مجاهد : من ينوب عن ابن عريب فانتظرته ساعة فلم أره ، ثم سألت عن الغائب فقال : هات قضيبا وأخذه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 578 | مرتضى الزبيدي