تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
شرح
وكان أبو حنيفة يسمع إليه ، وأنه فقد صوته فسأل عنه فقيل له : إنه وجد في الليل وسجن في سجن الأمير عيسى فلبس عمامته وتوجه إلى الأمير وتحدث معه ، فقال : لا أعرف ما اسمه . فقال أبو حنيفة : اسمه عمرو ، فقال الأمير : يطلق كل من اسمع عمرو ، فأطلق الرجل فلما قال له أبو حنيفة : أضعناك . فقال : بل حفظت ، وتمام هذا أنه قال له فصر إلى ما كنت عليه ، وقد ضمن ذلك في قصيدته أبو عمر يوسف بن هارون الكندي المعروف بالرمادي على ما أورده الحافظ أبو محمد عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي صاحب كتاب المعجب في أخبار أهل المغرب والقصيدة أوّلها :لخطب الشاربين يضيق صدري * ويوقفني تلقيهم بضر فإن أبا حنيفة وهو عدل * وفرّ من القضاء مسير شهر فقيه لا يدانيه فقيه * إذا ذكر القياس أتى بدر وكان له من الشراب جار * يواصل مغربا منها بفجر وكان إذا انتشى غنى ببي * ت المضاع بسجنه من آل عمرو أضاعوني وأي فتى أضاعوا * ليوم كريهة وسداد ثغر فغيّب صوت ذاك الجار سجن * ولم يكن الإمام بذاك يدري فقال وقد مضى ليل وثان * ولم يسمع غناء ليت شعري أجاري المؤنسي ليلا غناه * لخير قطع ذلك أم لشر فقالوا إنه في سجن عيسى * أتوه به بليل وهو يسري فنادى بالطويلة وهي مما * يكون برأسه لجليل أمر ويمم جاره عيسى بن موسى * فلاقاه بإكرام وبشر فقال سجنت لي جارا يسمى * بعمر وقال : يطلق كل عمريفقد تضمنت هذه الحكاية والقصيدة أنه كان يسمع إليه ولم ينهه عن الغناء ، فدل على إباحته عنده ، فإن استماعه كل ليلة مع ورعه وزهده ينبغي أن يحمل على الإباحة ، وما ورد عنه بخلافه يحمل على الغناء المقترن بشيء من الفحش ونحوه جمعا بين القول والفعل ، على أن التحريم أخذ من مقتضى قوله لا من نصه فيما علمت ، ورأيت في كتبهم ولا دلالة فيما أخذ منه لاحتماله وجوها . هذا لفظ الكمال الأدفوي في الامتاع . قلت : وذكر صاحب الهداية في باب الشهادة : ولا تقبل شهادة نائحة ولا مغنية وهذا أيضا لفظ القدوري ، فأطلق ثم قال : ولا من يغني للناس فورد أنه تكرار يعلم ذلك من قوله مغنية . قال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير : إن الوجه أن اسم مغنية ومغن إنما هو في العرف لمن كان الغناء حرفته التي يكتسب بها المال ، فاللفظ المذكور هنا عام غير أنه خص المؤنث به ليوافق لفظ الحديث « لعن اللّه النائحات لعن اللّه المغنيات » ومعلوم أن ذلك لوصف التغني لا لوصف الأنوثة ولا للتغني