تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
والساكت إما بعجزه أو باختياره . فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة . الأوّل : الكفر . فالكافر إن كان محاربا فهو يستحق القتل والإرقاق وليس بعد هذين إهانة ، وأما الذمي فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له بالاضطرار إلى أضيق الطرق وبترك المفاتحة بالسلام ، فإذا قال : السلام عليك ، قلت : وعليك . والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته ، وأما الانبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهي ما يقوي منها إلى حد التحريم . قال اللّه تعالى :
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
شرح
ساكتا ) عن الدعوة ، وذلك السكوت ( إما لعجزه ) في نفسه ( أو باختياره ، فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة ) . ( الأول : الكفر . والكافر ) إما محارب أو ذمي ( إن كان محاربا ) وهو الحربي ( فهو مستحق للقتل والإرقاق ) أي أخذه على سبيل الرق فإن أبى قتل ، ( وليس بعد هذين الأمرين إهانة وأما الذمي ) الذي تحت عقد ذمة المسلمين وجوارهم ( فإنه لا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير له ) في المجالس ( وبالاضطرار ) أي الإلجاء ( إلى أضيق الطرق ) إن كان ماشيا في طريق فيه زحمة بحيث لا يقع في وهدة ولا يصدمه نحو جدار ، فإن إيذاءهم بلا سبب لا يجوز ، وإنما المراد ولا تتركوا لهم صدر الطريق إكراما لهم وفيه تنبيه على ضيق مسلك الكفر ، وأنه يلجىء إلى النار فأذن بطريقه الحسي الدنيوي إلى طريقه المعنوي الأخروي ، وهذه سنة قد أميتت من زمان فمن أحياها فله الأجر ، ( وبترك المفاتحة بالسلام ) فلا يقول السلام عليك تحقيرا لشأنهم فيحرم ابتداؤهم به على الأصح عند الشافعية ، وفي الإسناد لمحمد بن الحسن يكره أن يبتدأ المشرك بالسلام ولا بأس بالرد عليه وهو قول أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى ، ولا ما يقوم مقامه من التحايا كأن يقول له صبحك اللّه بالخير ، أو أسعد اللّه صباحك ، أو مثل ذلك مما جرت به العادات الآن ( وإذا قال ) مبادئا ( السلام عليك . قلت : وعليك ) وإنما وجب الرد عليه بعليك فقط ولا تعارضه آيةسَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي[ النحل : 47 ] وآيةوَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[ الزخرف : 89 ] لأن هنا سلام متاركة ومنابذة لا سلام تحية وأمان ، وقد وردت في كل منهما أخبار فأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة : « لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطرّوه إلى ضيقه » . ( والأولى الكف عن مخالطته ومعاملته ومؤاكلته ) فإن في كل من ذلك نوع إعزاز له ، ( فأما الانبساط معه والاسترسال إليه كما يسترسل إلى الأصدقاء فهو مكروه كراهة شديدة يكاد ينتهي ما يقوى منه إلى حد التحريم قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيز :لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْوالمواددة مفاعلة من الود كما أن المحاددة من الحد وهو العداوة ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « المؤمن والمشرك لا تتراءى ناراهما » )