فأكثر البواعث على الإغضاء عن المعاصي المداهنة ومراعاة القلوب والخوف من وحشتها ونفارها ، وقد يلبس الشيطان ذلك على الغبي الأحمق بأنه ينظر بعين الرحمة ومحك ذلك أن ينظر إليه بعين الرحمة إن جنى على خاص حقه ويقول إنه قد سخر له والقدر لا ينفع منه الحذر ، وكيف لا يفعله وقد كتب عليه فمثلي هذا قد تصح له نية في الإغماض عن الجناية على حق اللّه وإن كان يغتاظ عند الجناية على حقه ويترحم عند الجناية على حق اللّه ، فهذا مداهن مغرور بمكيدة من مكائد الشيطان فليتنبه له .
فإن قلت : فأقل الدرجات في إظهار البغض الهجر والاعراض وقطع الرفق والإعانة فهل يجب ذلك حتى يعصي العبد بتركه ؟ فأقول : لا يدخل ذلك في ظاهر العلم تحت التكليف والايجاب فإنا نعلم أن الذين شربوا الخمر وتعاطوا الفواحش في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والصحابة ما كانوا يهجرون بالكلية ، بل كانوا منقسمين فيهم إلى من يغلظ القول عليه ويظهر البغض له ، وإلى من يعرض عنه ولا يتعرض له ، وإلى من ينظر إليه بعين
شرح
مرتكبه . ( فأكبر البواعث على الإغضاء عن المعاصي المداهنة ومراعاة القلوب والخوف من وحشتها ونفارها ) عنه ، ( وقد يلبس الشيطان ذلك على الغبي الأحمق ) ويسوله عليه ( بأنه نظر بعين الرحمة ) الإلهية ( ومحل ذلك أن ينظر إليه بعين الرحمة إن جنى على خاص حقه ويقول : إنه قد سخر له والقدر لا ينفع منه الحذر ) ، ومنه القول المشهور لا ينفع حذر من قدر ، وقول العامة المقدور ما منه مهروب وروى أبو نعيم في الحلية من حديث خالد بن رافع رفعه :
« لا تكثر همك ما يقدر يكون » . وخالد بن رافع مختلف في صحبته . ورواه الأصبهاني في الترغيب من حديث مالك بن عمر « 1 » به مرسلا ( فكيف لا يفعله وقد كتب عليه فبمثل هذا قد تصح له نية في الإغماض على الجناية على حق اللّه ) تعالى ( وإن كان يغتاظ ) ويغضب ( عند الجناية على حقه ) خاصة ( ويترحم عند الجناية على حق اللّه ) تعالى ( فهذا مداهن مغرور ) قد غره الأماني ( بمكيدة من مكائد الشيطان فليتنبه له ) فإنه من الدقائق .
( فإن قلت : فأقل الدرجات في إظهار البغض الهجرة ) أي المهاجرة بترك المكالمة ( والإعراض وقطع الرفق والإعانة فهل يجب ذلك حتى يعصي العبد بتركه ) أم لا ؟
( فأقول : لا يدخل ذلك في ظاهر العلم تحت التكليف والإيجاب فإنا نعلم أن الذين شربوا الخمر وتعاطوا الفواحش ) من الزنا وغيره ( في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وفي ) زمن ( الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( ما كانوا يهجرون بالكلية ) في الكلام والمعاشرة ، ( بل كانوا منقسمين فيه إلى من يغلظ القول عليه ) ويشدد في النكير ( ويظهر البغض له ، وإلى من يرضى عنه ولا يتوخى له ، وإلى من ينظر إليه بعين الرحمة ولا يؤثر بالمقاطعة والتباعد ، فهذه دقائق
هامش
( 1 ) هنا بياض في الأصل .