تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
والصفح . وطرق السلف قد اختلفت في إظهار البغض للّه مع أهل المعاصي وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظلمة والمبتدعة وكل من عصى اللّه بمعصية متعدية منه إلى غيره ، فأما من عصى اللّه في نفسه فمنهم من نظر بعين الرحمة إلى العصاة كلهم ، ومنهم من شدد الإنكار واختار المهاجرة . فقد كان أحمد بن حنبل يهجر الأكابر في أدنى كلمة حتى هجر يحيى بن معين لقوله : إني لا أسأل أحدا شيئا ولو حمل السلطان إليّ شيئا لأخذته . وهجر الحرث المحاسبي في تصنيفه في الرد على المعتزلة وقال : إنك لا بدّ تورد أولا شبهتهم وتحمل الناس على التفكر فيها ثم ترد عليهم ، وهجر أبا ثور في تأويله قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » وهذا أمر يختلف باختلاف النية وتختلف النية باختلاف الحال ، فإن كان الغالب على القلب النظر إلى اضطرار الخلق وعجزهم وأنهم مسخرون لما قدروا له أورث هذا تساهلا في المعاداة والبغض وله وجه ولكن قد تلتبس به المداهنة
شرح
( وطرق السلف قد اختلفت في إظهار البغض للّه مع أهل المعاصي ) صغيرة أو كبيرة ( وكلهم اتفقوا على إظهار البغض للظلمة والمبتدعة ) أي المتدينين بالبدع السيئة ( وكل من عصى اللّه ) تعالى ( بمعصية متعدية إلى غيره ، فأما من عصى اللّه تعالى في نفسه فمنهم من نظر بعين الرحمة إلى العصاة كلهم ) نظرا إلى سعة رحمة اللّه وجميل إحسانه ، ( ومنهم من شدّد الإنكار ) عليهم ( واختار المهاجرة ) عن مجالسته ومكالمته . ( فقد كان أحمد بن حنبل ) رحمه اللّه تعالى ( يهجر الأكابر في أدنى كلمة ) يسمعها منه أو تبلغه عنه ( حتى هجر يحيى بن معين ) الإمام المشهور ( لقوله : إني لا أسأل أحدا شيئا ولو حمل السلطان إلي شيئا لأخذته ) وفي رواية : ولو أعطاني السلطان شيئا لأخذته وقد تقدم ذلك في الكتاب الذي قبله . ( وهجر الحرث ) بن أسد ( المحاسبي ) رحمه اللّه تعالى ( في تصنيفه الرد على المعتزلة وقال : إنك تورد أولا شبهتهم ) التي تحكموا بها ( وتحمل الناس على التفكر فيها ثم ترد عليهم ) فربما غبي الطبع تثبت تلك الشبهة على ذهنه ولا يفهم الرد فيكون سببا لفساد اعتقاده وقد تقدم ذلك في كتاب العلم . ( وهجر أبا ثور ) صاحب الشافعي ( في تأويله قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » ) قال العراقي رواه مسلم من حديث أبي هريرة اه . قلت : وقد تقدم الكلام عليه في كتاب قواعد العقائد . ( وهذا أمر يختلف باختلاف النية وتختلف النية باختلاف الحال ، فإن كان الغالب على القلب النظر إلى اضطرار الخلق وعجزهم ) الذي جبلوا عليه ( وأنهم مسخرون لما قدر لهم ) من الأزل ( أورث هذا تساهلا في المعاداة والبغض وله وجه ) يلمح إلى الجواز ( ولكن قد تلتبس به المداهنة ) وهي ترك دفع منكر هو قادر عليه لقلة مبالاة بالدين أو حفظا لجانب