القولين - لأنه منزعج بقلبه ومسافر عن الوطن بصورته ولا مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ، ولا فرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره ، ولا بين أن تطول المدة أو تقصر ، ولا بين أن يتأخر الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره ، إذ ترخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع
شرح
طريقان : الصحيح منهما ثلاثة أقوال : أحدها يجوز القصر أبدا ( وإن طالت المدة على أقيس القولين لأنه منزعج بقلبه ) غير مستقر ، ( ومسافر عن الوطن بصورته ولا مبالاة بصورة الثبوت على موضع واحد مع انزعاج القلب ، ولا فرق بين أن يكون هذا الشغل قتالا أو غيره ) كالخوف من القتال أو التجارة أو غيرها ، ( ولا بين أن تطول المدة أو تقصر ، ولا بين أن يتأخر الخروج لمطر لا يعلم بقاؤه ثلاثة أيام أو لغيره ) . والثاني لا يجوز القصر أصلا ، والثالث قال الرافعي : هو الأظهر يجوز ثمانية عشر يوما فقط وقيل : سبعة عشر ، وقيل : تسعة عشر ، وقيل عشرين يوما ، والطريق الثاني أن هذه الأقوال في المحارب ويقطع بالمنع في غيره ، وأما الحال الثاني فإن كان محاربا وقلنا في الحال الأول لا يقصر فهنا أولى ، وإلّا فقولان أحدهما يترخص أبدا ، والثاني ثمانية عشر . وإن كان غير محارب كالمتفقه والتاجر فالمذهب أنه لا يترخص أصلا وقيل ، هو كالمحارب وهو غلط .
وقد أشار المصنف إلى القول الثالث من الأقوال الثلاثة من الحال الأوّل بقوله : ( إذ ترخص رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقصر في بعض الغزوات ثمانية عشر يوما على موضع واحد ) . قال العراقي :
رواه أبو داود من حديث عمران بن حصين في قصة الفتح ، فأقام بمكة ثمانية عشر ليلة لا يصلي إلا ركعتين ، وللبخاري من حديث ابن عباس « أقام بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة » ولأبي داود سبعة عشر بتقديم السين ، وفي رواية له خمسة عشر اه .
قلت : قال في التهذيب : اعتمد الشافعي رواية عمران لسلامتها من الاختلاف . قال الحافظ :
رواها أبو داود وابن حبان من حديث علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن عمران قال :
« غزوت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشر لا يصلي إلا ركعتين يقول يا أهل البلد صلوا أربعا فأنا قوم سفر » حسنة الترمذي وعلي ضعيف ، وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده ولم يعتبر الاختلاف في المدة كما عرف من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد دون السياق ، فهي من جهة الإسناد ليست صحيحة ، ودعوى صاحب التهذيب أنها سالمة من الاختلاف أي على راويها وهو وجه من الترجيح فعيد لو كان روايها عمدة ، وأما رواية تسعة عشرة فرواها أيضا أحمد من حديث عكرمة عن ابن عباس ، وأما رواية سبعة عشر بتقديم السين فرواها أيضا ابن حبان من حديثه وأما رواية خمسة عشر فرواها أيضا النسائي وابن ماجة والبيهقي من حديث ابن عباس ، ويروى أيضا أنه أقام عشرين يوما رواها عبد بن حميد من حديث ابن عباس أيضا واللّه أعلم .