وأسخيائها ولا ذكر أصدقائه فيها ، وليذكر مشايخها وفقراءها . ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين بل يتفقدها في كل قرية وبلدة . ولا يظهر حاجته إلا بقدر الضرورة ومع من يقدر على إزالتها . ويلازم في الطريق الذكر وقراءة القرآن بحيث لا يسمع غيره ، وإذا كلمه إنسان فليترك الذكر وليجبه ما دام يحدثه ثم ليرجع إلى ما كان عليه ، فإن تبرمت نفسه بالسفر أو بالإقامة فليخالفها فالبركة في مخالفة النفس وإذا تيسرت له خدمة قوم صالحين فلا ينبغي له أن يسافر تبرما بالخدمة فذلك كفران نعمة . ومهما وجد نفسه في نقصان عما كان عليه في الحضر فليعلم أن سفره معلول وليرجع إذ لو كان لحق لظهره أثره .
شرح
على شره وحرص وتعريف لحاله ، ( وليذكر مشايخها وفقراءها ) وعبادها فإن عند ذكرهم تتنزل الرحمات ، ( ولا يهمل في سفره زيارة قبور الصالحين ) ومشاهدهم ، ( بل يتفقدها في كل قرية وبلدة ) ينزل فيها فإنه مظنة البركة ( ولا يظهر حاجته ) لأحد ( إلا بقدر الضرورة ) إن دعت ( ومع من يقدر على إزالتها ) كما قال الشاعر :ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة * يواسيك أو يسليك أو يتوجع( ويلازم في الطريق الذكر ) فلا يفتر لسانه عنه ( و ) أفضل الذكر ( قراءة القرآن ) ولكن ( بحيث لا يسمع غيره ) لئلا يداخله الرياء والسمعة ، ( وإذا كلمه إنسان فليترك الذكر وليجبه ) متوجها له ( ما دام يحدثه ثم يرجع إلى ما كان عليه ) من الذكر ، ( فإن تبرمت نفسه بالسفر أو بالإقامة فليخالفها فالبركة في مخالفة النفس ) وقد بنى القوم طريقهم على مخالفة النفس كما سيأتي للمصنف ، ( وإذا تيسرت له خدمة قوم صالحين فلا ينبغي له أن يسافر تبرما بالخدمة فذلك كفران نعمة ) فإن خدمة الصالحين نعمة من اللّه فإذا تركها تبرما دل على كفرانه لها ، ( ومهما وجد نفسه في نقصان عما كان ) عليه ( في الحضر ، فليعلم أن سفره معلول ) أي فيه علة ( وليرجع ) عن سفره ( إذ لو كان بحق ) وفي نسخة : محقا ( لظهر أثره ) عليه . وفي القوت : وعلى المسافر من أهل القلوب أن يفرق بين سكون القلب إلى الوطن والسفر وبين سكون النفس إليهما ، فإن ذلك قد يلتبس فيحسب من لا بصيرة له ولا تفتيش لحاله ولا صدق في أحواله إن سكون النفس هو سكون القلب فينتقص بذلك ولا يفطن لنقصانه ، فإن كان قلبه يسكن إلى أحدهما وفيه صلاح دينه وعمارة آخرته ومحبة ربه ، فهذا سكون القلب لأنه يسكن إلى أخلاق الإيمان وما ورد العلم به وإن كانت نفسه تسكن إلى أحدهما مما فيه عاجل حظوظه وعمارة دنياه وموافقة هواه ، فهذا سكون نفسي لأنها تسكن إلى معاني الهوى فليتحول من الوطن إلى الغربة ، وليرجع من الغربة إلى المصر ، ومن كان في سفر على غير هذا النعت من التفقد لحاله وحسن القيام بأحكامه فهو على هوى وفتنة وسفره بلاء عليه ومحنة .