وليس معنى التوكل التباعد عن الأسباب بالكلية ولو كان كذلك لبطل التوكل بطلب الدلو والحبل ونزع الماء من البئر ، ولوجب أن يصبر حتى يسخر اللّه له ملكا أو شخصا آخر حتى يصب الماء في فيه . فإن كان حفظ الدلو والحبل لا يقدح في التوكل وهو آلة الوصول إلى المشروب فحمل عين المطعوم والمشروب حيث لا ينتظر له وجود أولى بأن لا يقدح فيه . وستأتي حقيقة التوكل في موضعها فإنه يلتبس إلا على المحققين من علماء الدين .
وأما زاد الآخرة ؛ فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصومه وصلاته وعباداته
شرح
قال القشيري في الرسالة : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول . سمعت محمد بن علي العلوي يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول : سمعت أحنف الهمداني يقول : كنت في البادية وحدي فعييت فرفعت يدي وقلت : يا رب ضعيف زمن وقد جئت إلى ضيافتك فوقع في قلبي أن يقال لي من دعاك ؟ فقلت : يا رب هي مملكتك تحتمل الطفيلي فإذا أنا بهاتف من ورائي ، فالتفت فإذا أنا باعرابي على راحلة قال : يا أعجمي إلى أين ؟ قلت إلى مكة . قال : أودعاك ؟ قلت : لا أدري .
فقال : أوليس قال اللّه تعالىمَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[ آل عمران : 97 ] فقلت : المملكة واسعة تحتمل الطفيلي . فقال : نعم الطفيلي أنت يمكنك أن تخدم الجمل ؟ فقلت : نعم فنزل عن راحلته وأعطانيها وقال : سر عليها . قال الشارح : في ذلك دلالة على أن المسافر لا يسافر في البادية بلا زاد ولا راحلة إلا إذا عوّده اللّه القوى على ذلك وقد يعوّده إياها ، لكن يطرأ له في أثناء سفره ما يوجب له العجز عن ذلك فلا يضره ، والأحنف كان الغالب عليه بحسب ما خطر له من السفر بلا زاد ولا راحلة إن اللّه يقويه على ذلك فلما طرأ عليه العجز في السفر استغاث باللّه تعالى فاغاثه ( ولهذا سر سيأتي في كتاب التوكل ) إن شاء اللّه تعالى .
( وليس معنى التوكل التباعد عن الأسباب ) الظاهرية ( بالكلية ، ولو كان ذلك لبطل التوكل بطلب الدلو و ) الحبل لأجل ( نزع الماء من البئر ) كما وقع لبعضهم لما قيل له : ألا تشرب من زمزم ؟ قال : لو كان لي حبل ودلو . ( ولوجب ) عليه ( أن يصبر حتى يسخر اللّه ) له ( ملكا ) في صورة إنسان ( أو شخصا آخر حتى يصب الماء في فيه ، فإن كان حفظ الدلو والحبل لا يقدح في التوكل وهو ) أي الدلو مع الحبل ( آلة الوصول إلى المشروب فحمل عين المطعوم والمشروب حتى لا ينتظر له وجود أولى بأن لا يقدح فيه ) أي في التوكل إذ لا فرق بين حمل الشيء وما هو آلة للوصول إليه ، ( وسيأتي حقيقة التوكل ) ما هي ( فإنه ملتبس ) أمره ( إلا على المحققين من علماء الدين ) فإنهم يدركون حقيقته ويميزون بين ما يقدح فيه وما لا يقدح فيه ولهم فيه مشارب .
( وأما زاد الآخرة ، فهو العلم الذي يحتاج إليه ) وهو أخذ الأربعة التي يحتاج إليها المسافر ،