تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
لمن اتسع جاهه وكثرت علائقه ، فلا يتم مقصوده إلا بالغربة والخمول وقطع العلائق التي لا بد عنها حتى يروض نفسه مدة مديدة . ثم ربما يمده اللّه بمعونته فينعم عليه بما يقوي به يقينه ويطمئن به قلبه فيستوي عنده الحضر والسفر ويتقارب عنده وجود الأسباب والعلائق وعدمها فلا يصده شيء منها عما هو بصدده من ذكر اللّه ، وذلك مما يعز وجوده جدا ، بل الغالب على القلوب الضعف والقصور عن الاتساع للخلق والخالق ، وإنما يسعد بهذه القوة الأنبياء والأولياء ، والوصول إليها بالكسب شديد وإن كان للاجتهاد والكسب فيها مدخل أيضا . ومثال تفاوت القوة الباطنة فيه كتفاوت القوّة الظاهرة في الأعضاء ، فرب رجل قوي ذي مرة سوي شديد الأعصاب محكم البنية
شرح
والطبراني من حديث ابن عباس : « من كانت الآخرة همه جعل اللّه غناه في قلبه وجمع له شمله واتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل اللّه فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له » . وأخرج الطبراني من حديث أنس خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوما وهو آخذ بيد أبي ذر فقال : « يا أبا ذر أعلمت ان بين أيدينا عقبة كؤودا ولا يصعدها إلا المخفون » قال رجل : يا رسول اللّه : أمن المخفين انا أم من المثقلين » قال « عندك طعام اليوم » قال : نعم . قال : « وطعام غد » ؟ قال : نعم . قال « وطعام بعدم غد » . قال : لا قال : « لو كان عندك طعام ثلاث كنت من المثقلين » . ( وكذلك لا يتيسر في الوطن لمن اتسع جاهه وكثرت علائقه فلا يتم مقصوده إلا بالعزلة ) وفي نسخة : بالغربة ( والخمول وقطع العلائق التي لا بد عنها ) وحاجة إليها ( حتى يروض نفسه ) ويختبرها ( مدة ) وفي نسخة مديدة ، ( ثم ربما يمده اللّه بمعونته ينعم عليه بما يقوى به يقينه ويطمئن به قلبه فيستوي عنده الحضر والسفر ويتقارب عنده وجود الأسباب والعلائق وعدمها ولا يصده شيء منها عما هو بصدده من ذكر اللّه ) . ولفظ القوت : فإن نوى القرب من الأمصار طمعا في سلامة دينه وبعدا من تعلق النفس بما في الحضر من حظ دنياه فحسن ، وربما خرج طلبا للخمول والذلة لخشية الفتنة بالشهرة ورجاء صلاح قلبه واستقامة حاله في البعد عن الناس ورياضته بالتفرق والتوحد إلى أن يعتدل يقينه ويطمئن قلبه ، فيستوى عنده الحضر والسفر ، ويعتدل عنده وجود الخلق وعدمهم بإسقاط الاهتمام بهم انتهى . ( وذلك مما يعز وجوده جدا بل الغالب مع القلوب الضعف والقصور عن الاتساع للخلق والخالق وإنما يسعد بهذه القوّة الأنبياء ) والصديقون والشهداء ، ( والأولياء ) إذ منحهم مواهب لدنية ( والوصول إليها بالكسب ) والرياضة ( شديد ، وإن كان للاجتهاد والكسب فيها مدخل أيضا ) ولكن جل العناية للوهب الإلهي . ( ومثال تفاوت القوّة الباطنة فيه مثال تفاوت القوّة الظاهرة في الأعضاء ، فرب رجل قوي ذي مرة ) بالكسر أي قوّة ، وأصل المرة