ومما يجب الهرب منه الولاية والجاه وكثرة العلائق والأسباب فإن كل ذلك يشوش فراغ القلب ، والدين لا يتم إلا بقلب فارغ عن غير اللّه ، فإن لم يتم فراغه فبقدر فراغه فلا يتصور أن يشتغل بالدين ، ولا يتصور فراغ القلب في الدنيا عن مهمات الدنيا والحاجات الضرورية ، ولكن يتصور تخفيفها وتثقيلها وقد نجا المخفون وهلك المثقلون . والحمد للّه الذي لم يعلق النجاة بالفراغ المطلق عن جميع الأوزار والأعباء ، بل قبل المخف بفضله وشمله بسعة رحمته . والمخف هو الذي ليست الدنيا أكبر همه ، وذلك لا يتيسر في الوطن
شرح
أوقع نفسه في التهلكة ، وقد نهى اللّه عنه حيث قالوَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[ البقرة :
195 ] .
( ومما يجب الهرب منه الولاية والجاه وكثرة العلائق والأسباب فإن كل ذلك يشوّش فراغ القلب ) ويدخل عليه أنواع الاشتغال والفكر الردية ، ( والدين لا يتم إلا بقلب فارغ ) خال ( عن ) ملاحظة ( غير اللّه ) تعالى ، ( فإن لم يتم فراغه فبقدر فراغه يتصور أن يشتغل بالدين ) أي بأموره ( ولا يتصوّر فراغ القلب من الدنيا عن مهمات الدنيا والحاجات الضروية ) خصوصا لصاحب العلائق والأسباب ، ( ولكن يتصوّر تخفيفها وتثقيلها وقد نجا المخفون وهلك المثقلون ) ومن المشهور على الألسنة : فاز المخفون .
وأخرج الحاكم في الأهوال من مستدركه وتمام في فوائده من حديث هلال بن يسار عن أم الدرداء قالت : قلت لأبي الدرداء : ما يمنعك أن لا تبتغي لأضيافك ما تبتغي الرجال لأضيافهم ؟
قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول « أمامكم عقبة كؤود لا يجوزها المثقلون » . فإنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة . وقال الحاكم : صحيح الإسناد . ورواه أبو المظفر في فضائل العباس بلفظ « إنما أمامكم » وعند الطبراني « وراءكم عقبة كؤود » وأورده ابن الأثير في النهاية بلفظ « إن بين أيدينا عقبة كؤودا لا يتجاوزها إلا الرجل المخف » . وأخرج أبو نعيم في الحلية في قصة التقاء عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه بأويس القرني وعرض عليه نفقته وأباها أنه قال : يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كؤودا لا يجاوزها إلا كل ضامر مخف ، ومما قيل فيه :قالوا تزوّج فلا دنيا بلا امرأة * وراقب اللّه واقرأ آي ياسينا
لما تزوجت طاب العيش لي وحلا * وصرت بعد وجود الخير مسكينا
جاء البنون وجاء الهم يتبعهم * ثم التفت فلا دنيا ولا دينا
هذا الزمان الذي قال الرسول لنا * خف الرحال فقد فاز المخفونا( والحمد للّه الذي لم يعلق النجاة بالفراغ المطلق عن جمع الأوزار والأعباء ) إلى الأثقال ، ( بل قبل المخف بفضله ) وكرمه ( وشمله بسعة رحمته . والمخف ) من أخف الرجل إذا صار خفيفا والمراد به ( هو الذي ليست الدنيا أكبر همه ) وروى هناد ، والترمذي من حديث أنس ،