الأرض من تطوف به أقطار السماء . ثم ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر فهو مبعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى اللّه والمسافرين إلى حضرته ، وكأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به المسير إلى متسع الفضاء ، ولا سبب لطول المقام في هذا المنزل إلا الجبن والقصور . ولذلك قال بعض أرباب القلوب :
إن الناس ليقولون افتحوا أعينكم حتى تبصروا ، وأنا أقول : غمضوا أعينكم حتى تبصروا ، وكل واحد من القولين حق إلا أن الأول خبّر عن المنزل الأول القريب من الوطن ، والثاني خبّر عما بعده من المنازل البعيدة عن الوطن التي لا يطؤها إلا مخاطر بنفسه ، والمجاوز إليها ربما يتيه فيها سنين وربما يأخذ التوفيق بيده فيرشده إلى سواء السبيل ، والهالكون في التيه هم الأكثرون من ركاب هذه الطريق ولكن السائحون بنور التوفيق فازوا بالنعيم والملك المقيم وهم الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى ، واعتبر هذا الملك
شرح
الصالحين ، ( ومن الغرائب أن يطوف في أكناف الأرض ) أي جوانبها ( من تطوف به أقطار السماء ) فمن تأمل هذا رجع إلى نفسه وانتبه من رقدة غفلته ، ( ثم ما دام المسافر مفتقرا إلى أن يبصر عالم الملك والشهادة بالبصر الظاهر فهو مبعد في المنزل الأول من منازل السائرين إلى اللّه والمسافرين إلى حضرته ، ولأنه معتكف على باب الوطن لم يفض به المسير إلى متسع الفضاء ) وهذا المقام الذي هو فيه ليس معدودا من الأسفار الأربعة المعروفة عند أهل الحق ، وإنما هو مبدأ آثار تجمل تهيأ منه للوصول إلى السفر الذي هو رفع حجب الكثرة عن وجه الوحدة وهو السير إلى اللّه من منازل النفس بإزالة التعشق من الظاهر والأغيار إلى أن يصل إلى الأفق المبين . ( ولا سبب للطول في هذا المنزل إلا الجبن ) والخوف ( والقصور ، ولذلك قال بعض أرباب القلوب ) من العارفين : ( إن الناس ليقولون أفتحوا أعينكم حتى تبصروا ) مطلوبكم ، ( وأنا أقول : غمضوا أعينكم حتى تبصروا ، وفي ) الظاهر أن بين الكلامين مخالفة وليس كذلك بل ( كل واحد من القولين حق ) ولكل منهما وجه وجيه ( إلا أن الأول خبر عن المنزل الأول القريب من الوطن ) إذ فيه الافتقار إلى فتح البصر لرؤية المظاهر والاغيار ليعتبر بها إلى ما وراء ذلك ، ( والثاني خبر عما بعده من المنازل البعيدة من الوطن التي لا يطؤها إلا مخاطر بنفسه ) أي من رمى نفسه في خطر عظيم ( والمجاوز إليها بما يتيه فيها سنين ) لما فيها من المخاوف والمهالك التي منها الترقي إلى حضرة الواحدية ثم إلى عين الجمع والحضرة الأحدية ثم إلى أحدية الجمع والفرق ، ( وبما يأخذ التوفيق ) الإلهي ( بيده فيرشده ) في لحظة ( إلى سواء السبيل ) وذلك بفضله وكرمه ، ( والهالكون في التيه هم الأكثرون من ركاب هذا الطريق ) كما يومىء إليه كلام سهل التستري ، ( والعالمون كلهم هلكى ) إلا المخلصون والمخلصون على خطر ، ( ولكن السائحون بنور التوفيق فازوا بالنعيم ) الأبدي ( والملك المقيم ) السرمدي ( وهم الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى ) ومن ساعدته العناية لا