الشهادات من الأسطر المكتوبة بالخطوط الإلهية على صفحات الجمادات لم يطل سفره بالبدن ، بل يستقر في موضع ويفرغ قلبه للتمتع بسماع نغمات التسبيحات من آحاد الذرات ، فما له وللتردد في الفلوات وله غنية في ملكوت السماوات ؟ فالشمس والقمر والنجوم بأمره مسخرات . وهي إلى أبصار ذوي البصائر مسافرات في الشهر والسنة مرات ، بل هي دائبة في الحركة على توالي الأوقات . فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بآحاد المساجد من أمرت الكعبة أن تطوف به ، ومن الغرائب أن يطوف في أكناف
شرح
علمه المنفردة في عقله المبراة عن الأشكال المعراة عن الأجسام ، والمثال فيه تتصور حقائق الأشياء بأعيانها وذواتها المجردة في مرآة القلب وتقدر النفس من العبارة عنها ويتمكن الذهن من التفكير فيها ويحيط العقل بظاهرها وباطنها . ولذلك سميت النفس ناطقة . ويقال : كذلك للرجل ناطق ولو لم يتكلم في العيان ولو لم يقل باللسان ، وحقيقة ذلك تتعين في القرآن حيث قال :هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ[ الجاثية : 29 ] وليس الكتاب له العبارة ولا عند الإشارة ، لكن لما تضمن جميع الأشياء وأحاط على المكتوبات واشتمل على لطائف الموجودات وكثائفها ، فبهذا المعنى سمى اللّه كتابه ناطقا ليعلم العاقل أن الناطق من الإنسان هو من تكون نفسه مناسبة لكتاب اللّه تعالى ومقصودة لمضمونات كلماته ، ومن لم يعرف حقيقة ما قلنا فهو أبكم وإن كان قائلا ، ومن لم يدركه فهو أصم وإن كان سميعا ، ومن لم يره بعين بصيرته فهو أعمى وإن كان ناظرا ، فمن انسلخ عن جلدة الهوى والطبيعة انسلاخ الحية وتدرع بدرع الشريعة ينشرح صدره بنور الإيمان ويحترق قلبه بنار الوحدانية ويكل نظره الحسي ويحتد نظره العقلي ولا يخفى عليه شيء من أسرار الملكوت وروضة الجبروت فهو قاعد بشخصه بين أبناء جنسه وقلبه ، كالطير فهو في الهواء يصعد إلى مرقاة الكرم ، ويتغذى بلطائف أسرار الحكم فيسمع قلبه النغمات الفلكية ، ويلتذ بالترنمات الملكية ، ويفهم أصوات الطير كما قال اللّه تعالى إخبارا عن نبيه سليمان عليه السلامعُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ[ النمل : 16 ] فإذا النطق أشرف الأحوال وأجل الأوصاف وماهية تصور النفس صور المعلومات ، وقدرة النفس على الإسماع لغيرها بما ينتج في العقل بأي لغة كانت وبأي عبارة اتفقت .
( ومن يسافر ليستقرىء هذه الشهادات ) الناطقة ( من الأسطر المكتوبة بالخطوط الإلهية على صفحات الجمادات لم يطل سفره بالبدن بل يستقر في موضع ويفرغ قلبه للتمتع بسماع نغمات التسبيحات من ) السنة ( آحاد الذرات فما له وللتردد في الفلوات ) من عالم الملك ( وله غنيمة في ملكوت السماوات ، فالشمس والقمر والنجوم مسخرات ) ولأمره طائعات ( وإلى أبصار ذوي البصائر ) القدسية ( مسافرات في الشهر والسنة مرات ) كرات ، ( بل هي دائبة في الحركة على توالي الأوقات ) يدل على ذلك قولهالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ[ إبراهيم : 33 ] ( فمن الغرائب أن يدأب في الطواف بأحد المساجد ) والمشاهد ( من أمرت الكعبة أن تطوف به ) وقد وقع طواف الكعبة لرجال من الصديقين الأولياء