فإذا حملت وعثاء السفر وصرفت عن مألوفاتها المعتادة وامتحنت بمشاق الغربة انكشفت غوائلها ووقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها . وقد ذكرنا في كتاب العزلة فوائد المخالطة ، والسفر مخالطة مع زيادة اشتغال واحتمال مشاق .
وأما آيات اللّه في أرضه ففي مشاهدتها فوائد للمستبصر ، ففيها قطع متجاورات وفيها الجبال والبراري والبحار وأنواع الحيوان والنبات . وما من شيء منها إلا وهو شاهد للّه بالوحدانية ومسبح له بلسان ذلق لا يدركه إلا من ألقى السمع وهو شهيد . وأما الجاحدون والغافلون والمغترون بلامع السراب من زهرة الدنيا ، فإنهم لا يبصرون ولا يسمعون لأنهم عن السمع معزولون وعن آيات ربهم محجوبون
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
[ الروم : 7 ] وما أريد بالسمع السمع الظاهر - فإن الذين
شرح
فإذا حملت وعثاء السفر وصرفت عن مألوفاتها المعتادة وامتحنت بمشاق الغربة انكشفت غوائلها ووقع الوقوف علي عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها ) ولفظ القوت : فلتكن نية هذا المسافر استصلاح قلبه ورياضة نفسه واستكشاف حاله وامتحان أوصافه ، لأن النفس إنما أظهرت الإذعان والانقياد في الحضر ، وربما استكانت وأجابت في المصر ، فإذا وقعت عليها أثقال الأسفار ولزمتها حقائق الاستخبار خرجت من مقاد ذلك المعيار فاسفرت حقيقتها وانكشفت دواعيها .
( وقد ذكرنا في كتاب العزلة فوائد المخالطة والسفر مخالطة مع زيادة اشتغال واحتمال مشاق ) .
( وأما آيات اللّه في أرضه ) الدالة على كمال قدرته ( ففي مشاهدتها ) بعين البصر ( فوائد للمستبصرين ) أي المتأملين ، ( ففيها قطع متجاورات ) كما قال اللّه تعالى :وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ[ الرعد : 4 ] ( وفيها الجبال ) الشوامخ التي جعلها اللّه أوتادا في الأرض ، ( وفيها البراري ) والقفار ، ( وفيها البحار ) العذبة والملحة ، ( وفيها أنواع الحيوان و ) أصناف ( النبات ) ذو ألوان ، ( وما من شيء منها إلا وهو شاهد للّه تعالى بالوحدانية ) قال القائل :ففي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد( و ) ما من شيء منها إلا وهو ( مسبح له بلسان ذلق ) أي فصيح ( لا يدركه إلا من ألقى ) له ( السمع ) الباطن ( وهو شهيد ) بقلبه حاضر بلبه . ( وأما الجاحدون ) أي المنكرون ( والغافلون ) عن الحقائق ( والمغترون بلامع السراب من زهرة الدنيا ) أي متاعها ، ( فإنهم لا يبصرون ولا يسمعون ) لحجب أبصارهم وأسماعهم عن درك ذلك ( لأنهم عن السمع معزولون وعن آيات ربهم محجوبونيَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَوما أريد بالسمع ) هنا ( السمع الظاهر ) الذي هو عبارة عن قوّة مودعة في العصب