تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
حتى سمعوه ، وكل مذكور في العلم محصل له - من زمان الصحابة إلى زماننا هذا - لم يحصل العلم إلا بالسفر وسافر لأجله ، وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك أيضا مهم فإن طريق الآخرة لا يمكن سلوكها إلا بتحسين الخلق وتهذيبه . ومن لا يطلع على أسرار باطنه وخبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منها . وإنما السفر هو الذي يسفر عن أخلاق الرجال وبه يخرج اللّه الخبء في السماوات والأرض ، وإنما سمي السفر سفرا ، لأنه يسفر عن الأخلاق ، ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه للذي زكى عنده بعض الشهود : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ فقال : لا ، فقال : ما أراك تعرفه ، وكان بشر يقول : يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب ، وإذا طال مقامه في موضع تغيّر . وبالجملة ، فإن النفس في الوطن مع مؤاتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة ،
شرح
( وكل مذكور في العمل محصل ) أي ذو تحصيل ( من زمان الصحابة إلى زماننا ) هذا ( إلّا وحصل العلم بالسفر وسافر لأجله ) وفي بعض النسخ : وكل مذكور في العلم محصل من زمان الصحابة إلى زماننا لم يحصل العلم إلا بالسفر وسافر لأجله ، ( وأما علمه بنفسه وأخلاقه فذلك أيضا مهم فإن طريق الآخرة لا يمكن سلوكه إلا بتحسين الخلق وتهذيبه ) وتصفيته عن المذام ( ومن لا يطلع على أسرار باطنه وخبائث صفاته لا يقدر على تطهير القلب منهما وإنما السفر هو الذي يسفر عن الأخلاق ) أي يوضحها ويكشف عنها ، ( وبه يخرج اللّه الخبء في السماوات والأرض ) ولفظ القوت فيكون للمسافر في ذلك علوم وبصائر يعرف بها خفايا نفسه ومكامنها ، ويكون هذا من خبء الأرض الذي يخرجه اللّه عز وجل لمحبيه متى شاء كما قال جل وعلايُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ النمل : 25 ] ( و ) قيل : ( إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن الاخلاق ) وفي القوت : عن أخلاق النفس قال : وأيضا يسفر عن آيات اللّه وقدره وحكمه في أرضه ، ( ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه للذي كان يعرف عنده بعض الشهود ) أي يزكي عنده رجلا من الشهود ليقبل شهادته فقال : ( هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ فقال : لا . فقال : ما أراك تعرفه ) . هكذا أورده ههنا مختصرا تبعا لصاحب القوت ، وقد تقدم له في كتاب آداب الصحبة بطوله ، وأخرجه الإسماعيلي في مناقب عمر مطوّلا . ( وكان ) أبو نصر ( بشر ) بن الحرث ( الحافي ) قدّس سره ( يقول : يا معشر القراء ) يعني بهم العلماء ( سيحوا في الأرض ) أي سافروا فيها ( تطيبوا ) أي يطيب عيشكم ، ( فإن الماء إذا ساح ) أي جرى على وجه الأرض ( طاب وإذا طال مقامه في موضع تغير ) ولفظ القوت : فإن الماء إذا كثر مقامه في موضع تغير ، ( وبالجملة فإن النفس في الوطن لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة ،