تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
شرح
ويثبتها ويسمى بها اللّه تعالى ، وأسماء أيضا إلاهية لولا ورود الشرع ما قبلها فيقبلها إيمانا ولا يعقلها من حيث ذاته إلا أن أعلمه الحق بحقيقة نسبة تلك الأسماء إليه ، فصاحب العزلة هو الذي يعتزل بما هو له من ربه من غير تخلق فمن رأى التخلق بها فلا بدّ أن يظهر بها على الحد المشروع ، ولما رأى هذا المعتزل مزاحمة الحق في النعوت التي ينبغي أن تكون للعبد كما هي في نفس الأمر عنده . قال : الأليق في أن اعتزل بأسماء ولا أزاحمه فيما يكون عارية عندي إذ كانت العارية أمانة مؤداة فاعتزل صاحب هذا النظر التخلق بالأسماء الحسنى . وانفرد بفقره وذله وعجزه وقصوره وجهله في بيته كلما قرع عليه الباب اسم إلهي قيل له : ما هنا من يكلمك ؟ فإذا انقدح له بهذا الاعتزال أن اللّه أزلي الوجود ، فإما أن يعتزل عن الجميع ، وإما أن يتسمى بالجميع ، فقلنا له : اعتزل عن الجميع واترك الحق إن شاء سماك بالأسماء كلها فأقبلها ولا تعترض ، وإن شاء سماك ببعضها ، وإن شاء لم يسمك ولا بواحد منها للّه الأمر من قبل ومن بعد ، فرجع العبد إلى خصوصيته التي هي العبودية فتحلى بها وقعد في بيته ينظر تصريف الحق فيه وهو معتزل عن التدبر في ذلك ، فإن تسمى من هذه حالته بأي اسم كان فاللّه مسميه ما تسمى وليس له ردّ ما سماه به ، فتلك الأسماء هي خلع الحق على عباده وهي خلع تشريف . فمن الأدب قبولها لأنها جاءته من غير سؤال ولا استشراف ووقف عند ذلك على أنه كان عاصيا للّه فيما كان يزعم أنه له ، فإذا هو للّه وهو قوله تعالى :وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ[ هود : 123 ] فأخذ منه جميع ما كان يزعم إلا العبادة فإنه لا يأخذها إذ كانت ليست بصفة له فقال له تعالى : لما مال إليه . وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وهو أصله الذي خلق لأجله ، فقال تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] فالعبادة اسم حقيقي فهي ذاته وموطنه وحاله وعينه ونفسه وحقيقته ووجهه ، فمن اعتزل هذه العزلة فهي عزلة العلماء باللّه لا هجران الخلائق ولا غلق الأبواب وملازمة البيوت ، وهي العزلة التي عند الناس أن يلزم الإنسان بيته ولا يعاشر ولا يخالط ويطلب السلامة ما استطاع بعزلته ليسلم من الناس ويسلم الناس منه ، فهذا طلب عامة أهل الطريق بالعزلة ، ثم إن ارتقى إلى طور أعلى من هذا فيجعل عزلته رياضة وتقدمه بين يدي خلوته لتأليف النفس قطع المألوفات من الإنس بالخلوة ، فإنه يرى الإنس بالخلوة من العلائق الحائلة بينه وبين مطلوبه من الانس باللّه والانفراد به فإذا انتقل من العزلة بعد إحكامه شرائطها سهل عليه أمر الخلوة هذا سبب العزلة عند خاصة أهل اللّه فهذه العزلة نسبته لا مقام والعزلة الأولى التي ذكرناها مقام مطلوب ، ولذا جعلناها في المقامات من هذا الكتاب ، وإذا كانت مقاما فهي من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة وللعارفين من أهل الأنس والوصال في العزلة من الدرجة خمسمائة درجة وثمانية وثلاثون ، وللعارفين الأدباء الواقفين مائة وثلاثة وأربعون درجة ، وللملامتية فيها من أهل الأنس خمسمائة درجة وسبع درجات ، وللملامتية من أهل الأدب الواقفين معهم مائة واثنتا عشرة درجة ، والعزلة المعهودة في عموم أهل اللّه من المقامات المقيدة بشرط لا يكون إلا به وهي نسبة في التحقيق لا مقام ، وهذا كله في عزلة العموم وهي من عالم الجبروت والملكوت ما لها قدم في عالم الشهادة ، فلا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 415 | مرتضى الزبيدي