تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
[ آل عمران : 169 ، 170 ] وكل متجرد للّه في جهاد نفسه فهو شهيد مهما أدركه الموت مقبلا غير مدبر . « فالمجاهد من جاهد نفسه وهواه » كما صرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . والجهاد الأكبر جهاد النفس ، كما قال الصحابة رضي اللّه عنهم : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، يعنون جهاد النفس . تم كتاب العزلة ويتلوه كتاب آداب السفر والحمد للّه وحده .
شرح
مِنْ فَضْلِهِوكل متجرد ) عن الدنيا ( للّه ) تعالى ( في جهاد نفسه ) في تبديل الذمائم ( فهو شهيد مهما أدركه الموت مقبلا غير مدبر ) كارا غير فار . فالآية وإن كانت خاصة في شهداء المعركة فشهداء المحبة لهم حكم شهداء المعركة بشرط الاقبال وعدم الادبار . ( « فالمجاهد ) ليس هو من جاهد الكفار بسيفه وسنانه فقط بل هو أيضا ( من جاهد نفسه وهواه » ) بأن أماته بسيف تأديبه ( كما صرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ) . قال العراقي : رواه الحاكم من حديث فضالة بن عبيد وصححه دون قوله « هواه » وقد تقدم في الباب الثالث من آداب الصحبة اه . قلت : وكذلك رواه أحمد والترمذي وابن حبان والطبراني والقضاعي كلهم من حديث عمرو بن مالك الحنفي عن فضالة ولفظهم جميعا « المجاهد من جاهد نفسه » . وفي رواية بزيادة : « في ذات اللّه » وفي الباب عن جابر بن عقبة بن عامر . ( والجهاد الأكبر جهاد النفس كما قال الصحابة رضي اللّه عنهم : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ) والمراد بجهاد النفس قهرها على ما فيه رضا اللّه تعالى من فعل الطاعات وتجنب المخالفات ، وسمي الأكبر لأنه من لم يجاهدها لم يمكنه جهاد العدوّ الخارج ، وكيف يمكنه وعدوّه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه ، وما لم يجاهد نفسه على الخروج لعدوّه لا يمكنه الخروج له ، فجهاد العدوّ الخارج بالنسبة إلى جهاد العدو الباطن أصغر .

فصل [ صفة الخلوة ]

قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته : الخلوة صفة أهل الصفوة والعزلة من أمارات الوصلة ، ولا بد للمريد في ابتداء حاله من العزلة عن أبناء جنسه ثم في نهايته من التحقق بأنسه ، والعزلة في الحقيقة إعتزال الخصال المذمومة والتأثير لتبديل الصفات لا للتنائي عن الأوطان ، ولهذا قيل : من العارف ؟ قالوا : كائن بائن يعني كائنا مع الخلق بائنا عنهم بالسر . سمعت الأستاذ أبا علي يقول : البس ما يلبسون وتناول ما يأكلون وانفرد عنهم بالسر ، وسمعته يقول : جاءني وقال جئتك من مسافة بعيدة ، فقلت : ليس هذا الحديث من حديث قطع المسافات ومسافات الأسفار ففارق نفسك بخطوة وقد حصل مقصودك ، وقيل : الانفراد بالخلوة أجمع لدواعي السلوة . سمعت محمد بن الحسين ، سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت محمد بن حامد يقول : جاء رجل إلى زيارة أبي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 413 | مرتضى الزبيدي