شرح
بكر الوراق ، فلما أراد أن يرجع قال : أوصني . فقال : وجدت خير الدنيا والآخرة في الخلوة والقلة وشرهما في الكثرة والاختلاط . وسئل الجريري عن العزلة فقال : هي الدخول بين الزحام وتحفظ سرك أن لا يزاحموك فيه ، وتعزل نفسك عن الأنام ، ويكون سرك مربوطا بالحق . وقيل : من آثر العزلة حصل العزّ له . وقال سهل : لا تصح العزلة إلا بأكل الحلال ، ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق اللّه تعالى ، وقال ذو النون : لم أر شيئا أبعث في الإخلاص من الخلوة . وقال أبو عبد اللّه البرمكي : ليكن خدنك الخلوة وطعامك الجوع وحديثك المناجاة فإما أن تموت بذلك أو تصل إلى اللّه تعالى . وقال ذو النون : ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة كمن احتجب عنهم باللّه تعالى .
وقال الجنيد : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة . وقال مكحول : إن كان في مخالطة الناس أنس فإن في العزلة السلامة . وقال يحيى بن معاذ : الوحدة جليس الصديقين . وقال : شعيب بن حرب دخلت على مالك بن مغول بالكوفة وهو في داره وحده فقلت له : ما تستوحش وحدك ؟ فقال : ما كنت أرى أن أحدا يستوحش من اللّه تعالى . وقال الجنيد : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس ، فإن هذا زمان وحشة ، والعاقل من اختار فيه الوحدة . وقال أبو العباس الدامغاني : أوصاني الشبلي وقال : ألزم الوحدة وامح اسمك عن القوم ، واستقبل الجدار حتى تموت .
وجاء رجل إلى شعيب بن حرب فقال : ما جاء بك ؟ قال : أكون معك . قال : يا أخي العبادة لا تكون بالشركة ومن لم يأتنس باللّه لم يأتنس بشيء ، وقيل لبعضهم : ما هنا أحد تستأنس به ؟ فقال :
نعم ومدّ يده إلى مصحف في حجره وقال : هذا . وفي معناه أنشدوا :وكتبك حولي ما تفارق مضجعي * وفيها شفاء للذي أنا كاتموقال رجل لذي النون : متى تصح العزلة ؟ فقال : إذا قويت على عزلة النفس ، وقيل لابن المبارك : ما وراء القلب ؟ قال : قلة الملاقاة للناس ، وقيل : إذا أراد اللّه أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة آنسه بالوحدة وأغناه بالقناعة وبصره عيوب نفسه ، فمن أعطى ذلك فقد أعطى خير الدنيا والآخرة .
فصل
وقال الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثمانين من الفتوحات في العزلة :إذا اعتزلت فلا تركن إلى أحد * ولا تعرج على أهل ولا ولد
ولا توال إذا وليت منزلة * وغب عن الشرك والتوحيد بالأحد
وافزع إلى طلب العلياء منفردا * بغير فكر ولا نفس ولا جسد
وسابق الهمة العلياء تحظ بمن * سما بأسمائه الحسنى بلا عدد
واعلم بأنك محبوس ، ومكتنف * بالنور حبسا جليا لا إلى أمدفلا يعتزل إلا من عرف نفسه ، وكل من عرف نفسه عرف ربه ، فليس له شهود إلا اللّه من حيث أسماؤه الحسنى وتخلقه بها ظاهرا وباطنا ، وأسماؤه الحسنى على قسمين : أسماء يقبلها العقل