تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
صالحة أو جليس صالح لتستريح نفسه إليه في اليوم ساعة من كد المواظبة ففيه عون على بقية الساعات ولا يتم له الصبر في العزلة إلا بقطع الطمع عن الدنيا وما الناس منهمكون فيه ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل بأن لا يقدر لنفسه عمرا طويلا ، بل يصبح على أنه لا يمسي ويمسي على أنه لا يصبح ، فيسهل عليه صبر يوم ولا يسهل عليه العزم على الصبر عشرين سنة . لو قدر تراخي الأجل . وليكن كثير الذكر للموت ووحدة القبر مهما ضاق قلبه من الوحدة وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر اللّه ومعرفته ما يأنس به فلا يطيق وحشة الوحدة بعد الموت ، وإن من أنس بذكر اللّه ومعرفته فلا يزيل الموت أنسه إذ لا يهدم الموت محل الانس والمعرفة ، بل يبقى حيا بمعرفته وأنسه فرحا بفضل اللّه عليه ورحمته ، كما قال اللّه تعالى في الشهداء :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ
شرح
أهل ) أي زوجة ( صالحة ) بأن تكون ديّنة حسنة الخلق والخلق قانعة باليسير قاصرة طرفها عليه ( أو جليس صالح ) يعينه على حاله ويواسيه بماله ( لتستريح نفسه إليه في اليوم ساعة ) أو أكثر ( عن ثقل المواظبة ) فإن الوقوف على حال واحد مما يعقبه السآمة ( ففيه عون على بقية الساعات ) وفيه استجماع للقلب وترويح للخاطر ، ( ولا يتم له الصبر في العزلة إلا بقطع عن الدنيا وما الناس منهمكون فيه ) فلا تستشرف نفسه إليه ، ( ولا ينقطع طمعه إلا بقصر الأمل بأن لا يقدر لنفسه عمرا طويلا بل يصبح على أنه لا يمسي ويمسي على أنه لا يصبح ، فيسهل عليه صبر يوم ولا يسهل عليه العزم على الصبر عشرين سنة لو قدر تراخي الأجل ) وامتداده ، فقد حكى صاحب القوت أنه رأى بعض الناس رجلا من الصوفية دفع إليه كيس فيه بعض دراهم في أوّل النهار ففرقه كله ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة فعاتبه على ذلك وقال : وقع لك شيء أخرجته كله فلو تركت منه لعشائك شيئا ؟ فقال : ما ظننت أني أعيش إلى المساء ولو علمت ذلك فعلت . ( وليكن ) المعتزل ( كثير الذكر للموت ووحدة القبر مهما ضاق قلبه عن الوحدة ) عن الناس بأنه سيموت ويضطجع في القبر طويلا متوحدا لا أنيس به إلا صالح عمله فإذا ذكر ذلك وجعله في باله هان عليه أمر العزلة وطاب وقته واصطلح أمره ، ( وليتحقق أن من لم يحصل في قلبه من ذكر اللّه تعالى ومعرفته ما يأنس به فلا يطيق وحدة الوحشة بعد الوحشة بعد الموت ، وإن من أنس بذكر اللّه ومعرفته فلا يزيل الموت أنسه إذ لا يهدم الموت محل الأنس والمعرفة ، بل يبقى حيا بمعرفته وأنسه فرحا بفضل اللّه تعالى ) فالأنس باللّه هو النافع وهو ثمرة المعرفة إذ لا يحصل قبلها ، وقد يحصل له الأنس بالخلوة فيتوهم أنه الانس باللّه وليس كذلك . قال يحيى بن معاذ الرازي : أنظر أنسك بالخلوة وأنسك معه في الخلوة فإن كان الأنس بالخلوة ذهب أنسك إذا خرجت منها ، وإن كان أنسك به في الخلوة استوت بك الأماكن في الصحارى والبراري ( كما قال تعالى في ) حق ( الشهداء إذ قالوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 412 | مرتضى الزبيدي