تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
الأوّل فوقفت في الصف الثاني فوجدت نفسي تستشعر خجلة من نظر الناس إليّ وقد سبقت إلى الصف الأول ، فعلمت أن جميع صلواتي التي كنت أصليها كانت مشوبة بالرياء ممزوجة بلذة نظر الناس إليّ ورؤيتهم إياي في زمرة السابقين إلى الخير . فالمخالطة لها فائدة ظاهرة عظيمة في استخراج الخبائث وإظهارها ، ولذلك قيل : السفر يسفر عن الأخلاق فإنه نوع من المخالطة الدائمة . وستأتي غوائل هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات ، فإن بالجهل بها يحبط العمل الكثير وبالعلم بها يزكو العمل القليل ، ولولا ذلك ما فضل العلم على العمل إذ يستحيل أن يكون العلم بالصلاة ولا يراد إلا للصلاة أفضل من الصلاة فانا نعلم أن ما يراد لغيره فإن ذلك الغير أشرف منه ، وقد قضى الشرع بتفضيل العالم على العابد حتى قال صلّى اللّه عليه وسلم : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » فمعنى تفضيل العلم يرجع إلى ثلاثة أوجه . أحدها : ما ذكرناه . والثاني : عموم النفع لتعدي فائدته والعمل لا تتعدى فائدته .
شرح
لعذر ) عرض ( فما وجدت لي موضعا في الصف الأوّل فوقفت في الصف الثاني ، فوجدت نفسي تستشعر خجلة من نظر الناس إليّ وقد سبقت بالصف الأوّل ، فعلمت أن جميع صلاتي كانت مشوبة بالرياء ممزوجة بلذة نظر الناس إليّ ورؤيتهم إياي في زمرة السابقين إلى الخير ) . فهذا من جملة امتحانهم لنفوسهم مع طول المدة . ( فالمخالطة لها فائدة ظاهرة في استخراج الخبائث وإظهارها ، ولذلك قيل : ) إنما سمي ( السفر ) سفرا لأنه ( يسفر ) أي يكشف ويوضح ( عن أخلاق الرجال فإنه نوع من المخالطة دائما وستأتي غوائل هذه المعاني ودقائقها في ربع المهلكات ) إن شاء اللّه تعالى ، ( فإن بالجهل بها يحبط العمل الكثير ) أي يفسد ويهدر ( وبالعلم بها يزكو ) أي ينمو ( العمل القليل ، ولولا ذلك لما فضل العلم عن العمل إذ يستحيل أن يكون العلم بالصلاة ولا يراد إلا للصلاة أفضل من الصلاة فإنا نعلم أن ما يراد لغيره فإن ذلك الغير أشرف منه ) ، وهنا فالعلم أريد به الصلاة فيلزم منه أن تكون الصلاة أفضل منه . ( وقد قضى الشرع ) أي مشروعه أي حكم ( بتفضيل العلم على العمل ، حتى قال صلّى اللّه عليه وسلم « فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي » ) رواه الترمذي من حديث أبي أمامة بلفظ « على أدناكم » وفيه زيادة وقد تقدم في كتاب العلم مفصلا . ( فمعنى تفضيل العلم ) على العبادة ( يرجع إلى ثلاثة أوجه ) . ( أحدها : ما ذكرناه ) . ( والثاني : عموم نفعه إذ تتعدى فائدته والعمل لا تتعدى فائدته ) إذ نفعه مقصور على صاحبه .