والثالث : أن يراد به العلم باللّه وصفاته وأفعاله ، فذلك أفضل من كل عمل ، بل مقصود الأعمال صرف القلوب عن الخلق إلى الخالق لتنبعث بعد الانصراف إليه لمعرفته ومحبته ، فالعمل وعلم العمل مرادان لهذا العلم ، وهذا العلم غاية المريدين والعمل كالشرط له . وإليه الإشارة بقوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
[ فاطر : 10 ] فالكلم الطيب هو هذا العلم والعمل كالجمال الرافع له إلى مقصده ، فيكون المرفوع أفضل من الرافع . وهذا كلام معترض لا يليق بهذا الكلام ، فلنرجع إلى المقصود فنقول : إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفضيل نفيا وإثباتا خطأ بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله وإلى الخليط وحاله وإلى الباعث على مخالطته وإلى الفائت بسبب مخالطته من هذه الفوائد المذكورة ، ويقاس الفائت بالحاصل فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل ، وكلام الشافعي رحمه اللّه هو فصل الخطاب إذ قال : يا يونس الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ،
شرح
( الثالث : أن يراد به العلم باللّه وبصفاته وأفعاله ) ومعاملاته . ( فذلك أفضل من كل عمل ) وهذه الوجوه الثلاثة قد تقدم بيانها في كتاب العلم في أمثالهم في أثناء بيان الأخبار الواردة في بيان فضل العلم ، ( بل مقصود الأعمال ) أي المقصود منها ( صرف القلوب عن الخلق ) وعطفها ( إلى الخالق لتنبعث ) وتنشط ( بعد الانصراف إليه لمعرفته ومحبته ) فليس شيء في هذه العالم ألذ ولا أعز من معرفته ومحبته ، ( فالعلم وعلم العمل مراد لهذا العلم ) ومقصود لأجله ، ( وهذا العلم غاية المريدين ) الصادقين وإليها تنتهي هممهم والانصراف إليه من جملة محبته وهي باب من أبواب معرفته ( والعمل كالشرط له ) يقع لوقوعه وهو كالعلامة له ( وإليه الإشارة بقوله تعالىإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُفالكلم الطيب هو هذا العلم والعمل له كالحمال الرافع إلى مقصده فيكون المرفوع أفضل من الرافع ) لا محالة .
( وهذا كلام معترض ) بين كلامين ( فلا يليق بهذا الكلام ) الذي نحن فيه من بيان الخلوة والعزلة وإنما يليق ذكره في كتاب العلم ، وقد تقدمت الإشارة إليه هناك . ( فلنرجع إلى المقصود فنقول : إذا عرفت فوائد العزلة وغوائلها تحققت أن الحكم عليها مطلقا بالتفصيل نفيا واثباتا خطأ بل ينبغي أن ينظر إلى الشخص وحاله وإلى الخليط ) أي المخالط له ( وإلى الباعث على مخالطته ) ما ذا ( وإلى الفائت بسبب مخالطته ) ما هو ( من هذه الفوائد المذكورة آنفا ، ويقاس الفائت بالحاصل ) ويوزن بينهما وزنا صحيحا ثم يميز ( فعند ذلك يتبين الحق ويتضح الأفضل ، وكما قال الشافعي رضي اللّه عنه وهو فصل الخطاب في هذا ) المقام ( إذ قال : يا يونس ) يعني به يونس بن عبد الأعلى الصدفي المتقدم ذكره قريبا ( الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء ، فكن بين المنقبض