وإن عورض سكت . وقال سهل بن عبد اللّه : الفقير الذي لا يسأل ولا يدخر ، وقال آخر :
هو أن لا يكون لك فإن كان لك فلا يكون لك من حيث لم يكن لك . وقال إبراهيم الخوّاص : هو ترك الشكوى وإظهار أثر البلوى . والمقصود أنه لو سئل منهم مائة لسمع منهم مائة جواب مختلفة قلما يتفق منها اثنان ، وذلك كله حق من وجه فإنه خبر كل واحد عن حاله وما غلب على قلبه ولذلك لا ترى اثنين منهم يثبت أحدهما لصاحبه قدما في التصوّف أو يثني عليه ، بل كل واحد منهم يدعي أنه الواصل إلى الحق والواقف عليه ، لأن أكثر ترددهم على مقتضى الأحوال التي تعرض لقلوبهم فلا يشتغلون إلا
شرح
عورض ) في شيء ( سكت ) ولم يتحرك . ( وقال ) أبو محمد ( سهل بن عبد اللّه التستري ) قدس سره : ( الفقير ) هو ( الذي لا يسأل ) أحدا شيئا ( ولا يدخر ) لنفسه شيئا . ( وقال آخر ) : الفقير ( هو أن لا يكون لك فإذا كان لك فلا يكون لك ومن حيث لم يكن لك لم يكن لك ) وقال أبو القاسم القشيري في الرسالة : سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت عبد اللّه بن محمد الدمشقي يقول : سمعت إبراهيم بن المولد يقول : سألت ابن الجلاء : متى يستحق الفقير اسم الفقر ؟ فقال : إذا لم تبق عليه بقية منه . فقلت : كيف ذلك ؟ فقال : إذا كان له فليس له وإذا لم يكن له فهو له . ( وقال ) أبو إسحاق ( إبراهيم ) بن أحمد ( الخواص ) قدس سره وهو من أقران الجنيد والنوري وله في التوكل والرياضيات حظ كبير ، مات بالري سنة إحدى وتسعين ومائتين : ( الفقر هو ترك الشكوى وإظهار أثر البلوى ) . وقال يحي بن معاذ : حقيقة الفقر أن لا يستغني إلا باللّه ، ورسمه عدم الأسباب كلها . وقال أيضا : الفقر هو خوف الفقر ، وقال رويم :
هو إرسال النفس في أحكام اللّه تعالى ، وقال آخر : الفقر أن لا يستغني الفقير في فقره بشيء إلا بمن إليه فقره ، وقال أبو الحسين النوري : هو السكون عند العدم والإيثار عند الوجود . وقال الشبلي :
هو أن لا تستغني بشيء دون اللّه تعالى . وقال مظفر القريسيني : الفقير هو الذي لا تكون له إلى اللّه حاجة . قال القشيري : يشير به إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضا بما يجريه الحق ، وقال ابن خفيف : الفقر عدم الإملاك والخروج من أحكام الصفات . وقال محمد بن المسوحي : الفقير الذي لا يرى لنفسه حاجة إلى شيء من الأسباب . وقال أبو بكر الحصري . الفقير الذي لا يملك ولا يملك .
( والمقصود أنه لو سئل منهم مائة لسمع منهم مائة جواب مختلفة قلما يتفق فيها اثنان ) على مضمون واحد ، ( وذلك كله حق من وجه فإنه أخبر كل واحد عن حاله وما غلب على قلبه ) وما كوشف له عن سره ، ( ولذلك لا ترى اثنين منهم يثبت أحدهما لصاحبه قدما في التصوّف أو يثني عليه ) في حاله الذي أقامه اللّه فيه ، ( بل كل واحد منهم يدعي أنه ) هو ( الواصل إلى الحق والواقف عليه ) وكل يدعي وصله بليلى ، ( لأن أكثر ترددهم على مقتضى الأحوال التي تعرض لقلوبهم ) عرضا مختلفا ( فلا يشتغلون إلا بأنفسهم ولا يلتفون