الجملة فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب اللّه تعالى فحب السلامة والصحة والكفاية والكرامة في الدنيا كيف يكون مناقضا لحب اللّه ؟ والدنيا والآخرة عبارة عن حالتين إحداهما أقرب من الأخرى ، فكيف يتصوّر أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا ولا يحبها اليوم ؟ وإنما يحبها غدا لأن الغد سيصير حالا راهنة فالحالة الراهنة لا بدّ أن تكون مطلوبة أيضا إلّا أن الحظوظ العاجلة منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها وهي التي احترز عنها الأنبياء والأولياء وأمروا بالاحتراز عنها وإلى ما لا يضاد وهي التي لم يمتنعوا منها كالنكاح الصحيح وأكل الحلال وغير ذلك مما يضاد حظوظ الآخرة .
فحق العاقل أن يكرهه ولا يحبه أعني أن يكرهه بعقله لا بطبعه ، كما يكره التناول من طعام لذيذ لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو حزت رقبته لا بمعنى أن الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه ولا يستلذه لو أكله فإن ذلك محال ،
شرح
ومما يشهد لهذا المقام أيضا ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رفعه « اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري واصلح لي دنياي التي فيها معاشي واصلح لي آخرتي التي فيها معادي » الحديث .
( وعلى الجملة فإذا لم يكن حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب اللّه ) تعالى ( فحب السلامة ) من آفات الدنيا ( والصحة ) في البدن ( والكفاية ) للمهمات ( والكرامة في الدنيا كيف يكون مناقضا لحب اللّه ؟ ) تعالى ، وقد ورد سؤال كل من ذلك في الأخبار ( والدنيا ) سميت لدنوها للآخرة ( والأخرة ) سميت لتأخرها عن خلق الدنيا بخمسين ألف سنة مما تعدون كما نقله الشيخ الأكبر قدس سره ، وهما ( عبارة عن حالين إحداهما أقرب من الأخرى ، فكيف يتصوّر أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا ولا يحبها اليوم وإنما يحبها غدا لأن غدا يصير حالا راهنة ) أي ثابتة دائمة يقال : رهن الشيء رهونا إذا ثبت ودام فهو راهن ، ( فالحالة الراهنة لا بدّ أن تكون مطلوبة أيضا إلا أن الحظوظ العاجلة ) وهي الدنيوية ( منقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع منها ) أي من طلبها وارتكابها ( وهو الذي احترز عنه الأنبياء ) عليهم السلام ( والأولياء ) الكرام ، ( وأمروا بالاحتراز عنها والتباعد منها وإلى ما يضاد ، حظوظ الآخرة وهي التي لم يمتنعوا منها كالنكاح الصحيح وأكل الحلال وغير ذلك مما يضاد حظوظ الآخرة ، فحق العاقل أن يكرهه ولا يحبه ) ولا يختاره لنفسه ( أعني انه يكرهه بعقله ) واختياره ( لا بطبعه ) فإن الطبع مجبول على ارتكاب بعض أشياء لا يصادقه العقل فيه ، ( كما يكون التناول من طعام لذيذ ) غريب شهي ( لملك من الملوك يعلم أنه لو أقدم عليه لقطعت يده أو جزت رقبته ) أي فصلت عن رأسه ( لا بمعنى أن الطعام اللذيذ يصير بحيث لا يشتهيه بطبعه ولا يستلذه لو أكله فإن ذلك محال ، ولكن على معنى انه