« فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض وقال : الآن قد بلغت رضا ربي ، فأوحى اللّه إلى نبيه قل له : إنك لن تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم ، فخرج فدخل الأسواق وخالط الناس وجالسهم وو اكلهم وأكل الطعام بينهم ومشى في الأسواق معهم ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبيه : الآن قد بلغ رضاي . فكم من معتزل في بيته وباعثه الكبر ومانعه عن المحافل أن لا يوقر أو لا يقدم ، أو يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله وأبقى لطراوة ذكره بين الناس ، وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحه لو خالط فلا يعتقد فيه الزهد والاشتغال بالعبادة فيتخذ البيت سترا على مقابحه إبقاء على اعتقاد الناس في زهده وتعبده من غير استغراق وقت في الخلوة بذكر أو فكر ، وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ، ويفرحون بتقرب العوام والسلاطين إليهم واجتماعهم على بابهم وطرقهم وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرك ، ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس لبغض إليه زياراتهم له ، كما حكيناه عن الفضيل حيث قال : وهل جئتني إلا لأتزين لك وتتزين لي . وعن حاتم الأصم أنه قال
شرح
نفاقك شيئا قال ) : فأخبره النبي بذلك ( فتخلى وانفرد ) عن الناس ( في سرب ) محركة ( تحت الأرض ) كالسرداب ( قال : الآن بلغت محبة ربي فأوحى ) اللّه ( إلى نبيه ) أن ( قل له : إنك لن تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم ) وتتحمل جفاهم ، ( فخرج ) من السرب ( ودخل الأسواق ) حيث مجتمع الناس ( وخالط العامة وجالسهم وو اكلهم وأكل الطعام بينهم ومشى في الأسواق معهم ، فأوحى اللّه إلى نبيه ) أن قل له : ( الآن قد بلغت رضاي ) هكذا نقله صاحب القوت . وتقدم ذلك أيضا في كتاب العلم . ( فكم من معتزل في بيته وباعثه ) على عزلته ( التكبر ) على إخوانه ( ومانعه عن المحافل ) والمشاهد ( أن لا يوقر ولا يقدم ) ولا ينظر إليه بالاحترام فتنازعه نفسه من الحضور فيها ، ( أو يرى الترفع عن مخالطتهم ارفع لمحله وأبقى لطراوة ذكره بين الناس ) بأن يثنوا عليه في كل آن ، ( وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحه ) ومعايبه ( لو خالط فلا يعتقد فيه الزهد ) في الدنيا ( والاشتغال بالعبادة ) فينقص مقامه بين أعينهم ( فيتخذ من البيت سترا على مقابحه إبقاء على اعتقاد الناس في زهده وتعبده من غير استغراق وقت في الخلوة بذكر أو فكر ) أو مراقبة ، ( وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يزوروا ) وتأتيهم الناس ولا يأتوهم ، ( ويفرحون بتقرب العامة والسلاطين إليهم واجتماعهم على باب أحدهم وطريقه ) الذي يخرج إليه من البيت إلى المسجد ( وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرك ، ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس لبغض إليه زيارتهم له ) ومجيئهم على بابه ، ( كما حكيناه عن الفضيل ) بن عياض رحمه اللّه تعالى حيث قال للذي زاره في المسجد الحرام : ( وهل جئتني إلا