ثواب الزيارة ، وكان هو بالتمكين سببا فيه ، فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها التي ذكرناها ، وعند ذلك قد ترجح العزلة وقد ترجح المخالطة . فقد حكي عن جماعة من السلف مثل مالك وغيره ترك إجابة الدعوات وعيادة المرضى وحضور الجنائز ، بل كانوا أحلاس بيوتهم لا يخرجون إلا إلى الجمعة أو زيارة القبور ، وبعضهم فارق الأمصار وانحاز إلى قلل الجبال تفرغا للعبادة وفرارا من الشواغل .
الفائدة السادسة :
من المخالطة التواضع ، فإنه من أفضل المقامات ولا يقدر عليه في الوحدة ، وقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة . فقد روي في الإسرائيليات أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصحفا في الحكمة حتى ظن أنه قد نال عند اللّه منزلة ، فأوحى اللّه إلى نبيه : قل لفلان إنك قد ملأت الأرض نفاقا وإني لا أقبل من نفاقك شيئا ، قال :
شرح
( وكذلك إذا كان الرجل من العلماء ) العاملين المشهورين بالسمت الحسن والصلاح ( وأذن لهم في الزيارة ) له إما بطلب صريح أو بالقرينة الشاهدة ، ( وكان هو بالتمكين سببا فيه فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها التي ذكرناها ) آنفا وليقابلها مع بعضها ( وعند ذلك قد تترجح العزلة وقد تترجح المخالطة فقد حكى عن جماعة من السلف ) الصالحين ( مثل مالك ) بن أنس ( رضي اللّه عنه ) عالم المدينة ( وغيره ) من أكابر الأئمة ( ترك إجابة الدعوات وترك عيادة المرضى و ) ترك حضور ( الجنائز ، بل كانوا إحلاس بيوتهم ) جمع حلس بكسر فسكون وهو الحصير الذي يلي الأرض أي كانوا ملازمين بيوتهم لا ينتقلون ، كما أن الإحلاس لا تنتقل وفي هذا إشارة إلى كمال التواضع ، ( ولا يخرجون إلا إلى الجمعة ) فقط ( أو زيارة القبور ) أن آنسوا من قلبهم قساوة ( وبعضهم ) ترك الجمعة والجماعات وبعضهم ( فارق الأمصار وانحاز ) إلى القرى والكفور فاتخذها دارا ، وبعضهم إنحاز ( إلى قلل الجبال ) وشعابها مغاراتها كل ذلك ( تفرغا للعبادة وفرارا من الشواغل ) الدنيوية .