تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
تكليفها الملازمة داعية للفترة وهذا عني بقوله عليه السلام : « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق » والإيغال فيه برفق دأب المستبصرين ، ولذلك قال ابن عباس : لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس ، وقال مرة : لدخلت بلادا لا أنيس بها ، وهل يفسد الناس إلا الناس ؟ فلا يستغني المعتزل إذا عن رفيق يستأنس بمشاهدته ومحادثته في اليوم والليلة ساعة فليجتهد في طلب من لا يفسد عليه في ساعته تلك سائر ساعاته ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » . وليحرض أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين وحكاية أحوال القلب وشكواه وقصوره عن الثبات على الحق والاهتداء إلى الرشد ، ففي ذلك متنفس ومتروّح للنفس ، وفيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح
شرح
نشاطها ( وفي تكليفها الملازمة تنفير ) وفي نسخة داعية إلى النفرة ، ( فمن يشاد هذا الدين يغلبه ) يشاد هذه الصيغة يستوي فيها بناء المعلوم والمجهول لأن هذا من باب المفاعلة ، وعلامة بناء الفاعل فيه كسر ما قبل آخره وعلامة بناء المفعول فيه فتح ما قبل آخره ، وهذا لا يظهر في المدغم ولا يفرق بينهما إلا بالقرينة . ويشاد من المشادة وهي المغالبة من الشدة ، ويقال : شاده مشادة إذا غلبه وقاواه ، والمعنى لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق إلا غلب الدين عليه وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن عمله كله أو بعضه ، وأصل من يشاد من يشادد أدغمت الأولى في الثانية . أخرج البخاري في الصحيح من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه : « إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا » الحديث هكذا هو في رواية الأصيلي ، ورواه كذلك أبو نعيم وابن حبان الإسماعيلي والنسائي : ( فإن الدين متين والإيغال فيه برفق دأب المستبصرين ) أشار به إلى ما رواه أحمد من حديث أنس رفعه : « إن هذا الدين متين فاوغلوا فيه برفق » وروى البزار من حديث جابر مرفوعا : « إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » . ( ولذلك قال ابن عباس رضي اللّه عنه لولا مخافة الوسواس لم أجالس الناس وقال مرة ) : لولا مخافة الوسواس ( لدخلت بلادا لا أنيس بها ) وفي نسخة آنس بها . ( وهل يفسد الناس إلا الناس ) ؟ أي مخالطتهم تغير الطباع ( فلا يستغني المعتزل إذا عن رفيق يستأنس ) به ( بمشاهدته ومحادثته ) ومكالمته ( في ) أثناء ( اليوم والليلة ساعة ) زمانية ( فليجتهد في طلب من لا يفسد في ساعته تلك عليه سائر ساعاته ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « المرء على دين خليله ) الذي يصادقه ويخالله ( فلينظر أحدكم من يخالل » ) تقدم في آداب الصحبة قريبا . ( وليحرص أن يكون حديثه عند اللقاء في أمور الدين وحكاية أحوال القلب وشكواه وقصوره على الثبات على الحق والاهتداء إلى الرشد ) : وما أشبه ذلك . ففي هذه المذاكرة ترويح للقلب من الجانبين لا أن يذاكره في أمور الدنيا وأحوال فساد الخلق والشكوى على الظالمين وما انتشر من فساد حال الرعية والعامة ، ( ففي ذلك منتعش ومتروح للنفس وفيه مجال