من قتل نفسه أيضا لم يعقر الناس ، بل ينبغي أن يتشوّف إلى الغاية المقصودة بها ، ومن فهم ذلك واهتدى إلى الطريق وقدر على السلوك استبان له أن العزلة أعون له من المخالطة ، فالأفضل لمثل هذا الشخص المخالطة أوّلا والعزلة آخرا .
وأما التأديب ، فإنما نعني به أن يروض غيره وهو حال شيخ الصوفية معهم ، فإنه لا يقدر على تهذيبهم إلا بمخالطتهم ، وحاله حال المعلم وحكمه حكمه ، ويتطرق إليه من دقائق الآفات والرياء ما يتطرق إلى نشر العلم إلا أن مخايل طلب الدنيا من المريدين الطالبين للارتياض أبعد منها من طلبة العلم ، ولذلك يرى فيهم قلة وفي طلبة العلم كثرة .
فينبغي أن يقيس ما تيسر له من الخلوة بما تيسر له من المخالطة وتهذيب القوم ، وليقابل أحدهما بالآخر وليؤثر الأفضل ، وذلك يدرك بدقيق الاجتهاد ويختلف بالأحوال والأشخاص فلا يمكن الحكم عليه مطلقا بنفي ولا إثبات .
الفائدة الرابعة : الاستئناس والايناس : وهو غرض من يحضر الولائم والدعوات ومواضع المعاشرة والأنس ، وهذا يرجع إلى
شرح
المقصودة بها ) وأنه ما المراد بهذا الحبس وما غايته التي لأجلها شرع فيه ، ( ومن فهم ذلك واهتدى إلى الطريق وقدر على السلوك ) فيها ( استبان له ) أي ظهر ( أن العزلة أعون له ) أي أكثر عونا ( من المخالطة ، فالأفضل لهذا الشخص المخالطة أولا ) ليتعلم رياضة النفس ( والعزلة آخرا ) .
( وأما التأديب : فإنما نعني به أن يروض غيره وهو حال شيخ المتصوفة معهم ) أي الصوفية ، ( فإنه لا يقدر على تهذيبهم إلا بمخالطتهم ) ومجالستهم ومعرفة مجاري أحوالهم مرة بعد أخرى ، ( وحاله كحال المعلم ) سواء ( ويتطرق إليه من دقائق الآفات والرياء ما يتطرق إلى نشر العلم ) عند تعليمه ، ( إلا أن مخايل طلب الدنيا من المريدين الطالبين للارتياض ) وجهاد النفس ( أبعد منها من طلبة العلم ) في المدارس ، ( ولذلك ترى فيهم قلة وفي طلبة العلم كثرة ، فينبغي أن يقيس ما يتيسر له في الخلوة بما يتيسر له في المخالطة وتهذيب القوم ) وتأديبهم ، ( وليقابل أحدهما بالآخر وليؤثر ) أي يختار ( الأفضل ) منهما ، ( وذلك يدرك بدقيق الاجتهاد و ) هو مع ذلك ( يختلف بالأحوال والأشخاص ) والأزمان والبلدان . ( فلا يمكن الحكم عليه مطلقا بنفي وإثبات ) بل لا بد من التفصيل السابق فيه ، واللّه أعلم .