إلى القبر ، وإن كانت النية رياضة النفس فهي خير من العزلة في حق المحتاج إلى الرياضة ، وذلك مما يحتاج إليه في بداية الإرادة ، فبعد حصول الارتياض ينبغي أن يفهم أن الدابة لا يطلب من رياضتها عين رياضتها ، بل المراد منها أن تتخذ مركبا يقطع به المراحل ويطوي على ظهره الطريق ، والبدن مطية للقلب يركبها ليسلك بها طريق الآخرة وفيها شهوات إن لم يكسرها جمحت به في الطريق ، فمن اشتغل طول العمر بالرياضة كان كمن اشتغل طول عمر الدابة برياضتها ولم يركبها ، فلا يستفيد منها إلا الخلاص في الحال من عضها ورفسها ورمحها ، وهي لعمري فائدة مقصودة ولكن مثلها حاصل من البهيمة الميتة ، وإنما تراد الدابة لفائدة تحصل من حياتها ، فكذلك الخلاص من ألم الشهوات في الحال يحصل بالنوم والموت ، ولا ينبغي أن يقنع به كالراهب الذي قيل له : يا راهب ، فقال : ما أنا راهب إنما أنا كلب عقور حبست نفسي حتى لا أعقر الناس ، وهذا حسن بالإضافة إلى من يعقر الناس ، ولكن لا ينبغي أن يقتصر عليه ، فإنّ
شرح
كانت النية هذا فالعزلة خير منه ولو إلى آخر العمر ) وفي نسخة إلى القبر ، ( وإن كانت النية رياضة النفس فهي خير من العزلة في حق المحتاجين إلى الرياضة ، وذلك مما يحتاج إليه في بداية الإرادة ) أي بعد السلوك ( فبعد حصول الارتياض ينبغي أن يفهم أن الدابة لا يطلب من رياضتها عين رياضتها ، بل المراد منها أن تتخذ مركبا تقطع به المراحل ) والمفاوز آنا فآنا ( ويطوي على ظهرها الطريق ) للوصول إلى المطلوب ( والبدن ) بمنزلة ( مطية للقلب يركبها ليسلك بها طريق الآخرة وفيها شهوات إن لم يكسرها ) بقوة قاهرة ( جمحت به في الطريق ) وأتعبته ، ( فمن اشتغل طول عمره بالرياضة كان كمن اشتغل طول عمر الدابة برياضتها ولم يركبها فلا يستفيد منها إلا الخلاص في الحال من عضها ورفسها ورمحها ) وغير ذلك من العيوب التي فيها مما تذهب بالرياضة ، ( وهي لعمري فائدة مقصودة . ولكن مثلها حاصل من البهيمة الميتة ) فإنها ممن يؤمن منها من العضة والرفس والرمح ، ( والدابة إنما تراد لفائدة تحصل من حياتها ، فكذلك الخلاص من ألم الشهوات في الحال يحصل بالنوم والموت فلا ينبغي أن تقنع بها ) فإنه قليل الجدوى ، ( كالراهب الذي ) كان على قلة جبل ، وقد ( قيل : يا راهب ) عظني ( فقال : ما أنا راهب إنما أنا كلب عقور حبست نفسي حتى لا أعقر الناس ) أي إنما أنا حابس لنفسي التي كالكلب العقور لئلا تعقر الناس أورده أبو نعيم في الحلية ، ولفظ القشيري في الرسالة : ورؤي بعض الرهبان فقيل إنك راهب فقال : لا أنا حارس كلب إن نفسي كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم ليسلموا منها . ( وهذا حسن ، ولكن بالإضافة إلى من يعقر الناس ) بأن يؤذيهم ويقطع عليهم الطريق ، ( ولكن لا ينبغي أن يقتصر عليه ، فإن من قتل نفسه أيضا لم يعقر الناس ، بل ينبغي أن يتشوف إلى الغاية