والقيام في مقادير الحقوق بالعدل ، وإن فاوت بينهم سلقه السفهاء بألسنة حداد وثاروا عليه ثوران الأساود والآساد ، فلا يزال في مقاساتهم في الدنيا وفي مطالبة ما يأخذه ويفرقه عليهم في العقبى . والعجب أنه مع هذا البلاء كله يمني نفسه بالأباطيل ويدليها بحبل الغرور ويقول لها ، لا تفتري عن صنيعك فإنما أنت بما تفعلينه مريدة وجه اللّه تعالى ، ومذيعة شرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وناشرة علم دين اللّه ، وقائمة بكفاية طلاب العلم من عباد اللّه ، وأموال السلاطين لا مالك لها وهي مرصدة للمصالح وأي مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم ؟ فبهم يظهر الدين ويتقوى أهله ، ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل أن فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون ولا يميزون بين الحلال والحرام ، فتلحظهم أعين الجهال ويستجرئون على المعاصي باستجرائهم اقتداء بهم واقتفاء لآثارهم . ولذلك قيل : ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك
شرح
تلامذته الذين لهم سابقة حضور عنده ( ونسبوه إلى الحمق وقلة التمييز والقصور عن درك مصارف الفضل والقيام في مقادير الحقوق بالعدل ) والتسوية ، ( وإن فاوت بينهم بالعطاء ) بأن أعطى بعضا كثيرا ورعاه وأعطى بعضا منهم قليلا ( سلقه السفهاء ) منهم ( بألسنة حداد وثاروا عليه ثوران الأساود ) أي الحيات ( والآساد ) جمع أسد ، ( فلا يزال في مقاساتهم في الدنيا وفي مظالم ما يأخذه ويفرقه ) عليهم ( في العقبى ) فإن حرامها عقاب وحلالها حساب ، ( والعجب أنه مع هذا البلاء كله يمني نفسه بالأباطيل ) والظنون الكواذب ( ويدليها بحبل الغرور ) وفي نسخة تمنيه نفسه بالأباطيل وتدليه بحبل الغرور ، ( ويقول لها لا تفتري ) أي لا تكسلي . وفي نسخة : وتقول له لا تفتر ( عن صنيعك ) الذي أنت فيه ( فإنما أنت بما تفعلينه مريدة وجه اللّه تعالى ومذيعة شرع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وناشرة علم دين اللّه ) أي رايته ( وقائمة بكفاية طلاب العلم من عباد اللّه ) وفي نسخة : فإنما أنت بما تفعله مريد ومذيع وناشر وقائم كل ذلك بتذكير الضمير على أن الخطاب من النفس له ، وعلى النسخة الخطاب منه إلى النفس ، فلذا أنت في الجميع ثم يقول ( وأموال السلاطين لا مالك لها وهي مرصدة للمصالح وأي مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم ) وتوسيع سوادهم ( فيهم يظهر الدين ويتقوّى أهله ، ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل . إنّ فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون ) من غير بحث عن أصله ( ولا يميزون بين الحلال والحرام فتلحظهم أعين الجهال ) والعامة ويستجرئون على المعاصي أي ارتكابها ( باستجرائهم اقتداء بهم واقتفاء بآثارهم ) فإذا منعوا لم يمتنعوا ، واحتجوا بهؤلاء المقتدى بهم وقالوا : لنا أسوة ويكفي بنا أن نكون في العمل مثلهم ، ( ولذلك قيل : ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك وما فسدت الملوك إلا بفساد العلماء ) ، فإذا فسدت الرعية أصلحتها الملوك بعدلها ، وإذا فسدت الملوك أصلحتها العلماء بالوعظ والنصحية وإراءة طرق الخير ، فإذا فسدت العلماء فسد الكل وفي