آخر عمره . ولعل ما أودعناه هذا الكتاب إن تعلمه المتعلم رغبة في الدنيا فيجوز أن يرخص فيه ، إذ يرجى أن ينزجر به في آخر عمره فإنه مشحون بالتخويف باللّه والترغيب في الآخرة والتحذير من الدنيا ، وذلك مما يصادف في الأحاديث وتفسير القرآن ولا يصادف في كلام ولا في خلاف ولا في مذهب . فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه فإن المقصر العالم بتقصيره أسعد حالا من الجاهل المغرور أو المتجاهل المغبون وكل عالم اشتد حرصه على التعليم يوشك أن يكون غرضه القبول والجاه ، وحظه تلذذ النفس في الحال باستشعار الإذلال على الجهال والتكبر عليهم ، فآفة العلم الخيلاء كما قال صلّى اللّه عليه وسلم ؛ ولذلك حكي عن بشر أنه دفن سبعة عشر قمطرا من كتب الأحاديث التي سمعها ، وكان لا يحدث ، ويقول : إني أشتهي أن أحدث فلذلك لا أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت ، ولذلك قال : « حدثنا » باب من أبواب الدنيا ، وإذا قال الرجل :
شرح
أودعناه هذا الكتاب ) من مسائل الفقه وغيرها ( إن تعلمه المتعلم رغبة في الدنيا ) أي لأجل تحصيلها ( فيجوز أن يرخص فيه إذ يرجى ) له ( أن ينزجر به ) بعد ( في آخر عمره فإنه مشحون بالتخويف باللّه والترغيب في الآخرة والتحذير من الدنيا ) وغوائلها ، ( وذلك مما يصادف في الأحاديث والآثار وتفسير القرآن ، ولا يصادف في كلام ولا خلاف ولا في مذهب ) وفي في معرفة المدارك منه ، ( ولا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه ) أي لا يعاملها بالمخادعة ( فإن المقصر العالم بتقصيره أسعد حالا ) وأسلم عاقبة ( من الجاهل المغرور ) بنفسه ، ( أو المتجاهل المغبون ) الذي غبن في رأيه ، ( وكل عالم اشتد حرصه على التعليم والتدريس يوشك أن يكون غرضه القبول والجاه ) عند أرباب الأموال ، ( وحظه تلذذ النفس في الحال باستشعار الإذلال على الجهال ) من العوام الطغام ( والتكبر عليهم ، فآفة العلم الخيلاء كما قاله صلّى اللّه عليه وسلم ) . قال العراقي المعروف ما رواه مطين في مسنده من حديث علي بن أبي طالب بسند ضعيف « آفة العلم النسيان وآفة الجمال الخيلاء » اه .
قلت : رواه البيهقي في الشعب ، وابن لآل في مكارم الأخلاق بلفظ « آفة الظرف الصلف ، وآفة الشجاعة البغي ، وآفة السماحة المن ، وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة العبادة الفترة ، وآفة الحديث الكذب ، وآفة العلم النسيان ، وآفة الحلم السفة ، وآفة الحسب الفخر ، وآفة الجود السرف » .
( ولذلك حكي عن بشر ) بن الحرث الحافي قدس سره : ( إنه دفن سبعة عشر قمطرا من كتب الأحاديث التي سمعها ) من شيوخه وأثبتها في تلك الجرائد ، ( وكان لا يحدث ) إلا قليلا ( ويقول : إني لأشتهي أن أحدث فلذلك لا أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت ) لأن مبنى الطريق عند القوم مخالفة النفس وقد تقدم في كتاب العلم ، ( ولذلك قال :
حدثنا وأخبرنا باب من ) أبواب ( الدنيا ، وإذا قال الرجل : حدثنا فإنما يقول أوسعوا لي ) في المجلس وانظروا إليّ تقدم في كتاب العلم .