« حدثنا » فإنما يقول أوسعوا لي . وقالت رابعة العدوية لسفيان الثوري : نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا . قال : وفيما رغبت ؟ قالت : في الحديث . ولذلك قال أبو سليمان الداراني : من تزوّج أو طلب الحديث أو اشتغل بالسفر فقد ركن إلى الدنيا . فهذه آفات قد نبهنا عليها في كتاب العلم ، والحزم والاحتراز بالعزلة وترك الاستكثار من الأصحاب ما أمكن ، بل الذي يطلب الدنيا بتدريسه وتعليمه فالصواب له إن كان عاقلا في مثل هذا الزمان أن يتركه . فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال : دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك فليس لك منهم مال ولا جمال ، إخوان العلانية أعداء السر ، إذا لقوك تملقوك وإذا غبت عنهم سلقوك ، من أتاك منهم كان عليك رقيبا وإذا خرج كان عليك خطيبا ، أهل نفاق ونميمة وغل وخديعة ، فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال وأن يتخذوك سلما إلى أوطارهم وأغراضهم وحمارا في
شرح
( وقالت رابعة ) بنت إسماعيل ( العدوية ) البصرية من خيار النساء الصالحات ترجمها أبو نعيم في الحلية ( لسفيان ) بن سعيد ( الثوري ) حين جاء زائرا لها : ( نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا . قال : وفيما ذا رغبت ؟ قالت : في الحديث ) أي كثرت فيه حتى اشتهرت به فرغب إليك الناس ورغبت ، ولفظ القوت : قالت رابعة لسفيان : نعم الرجل أنت لولا أنك تحب الدنيا » يعني الحديث . والمذاكرة به لأصحاب الحديث والتفرغ لهم ، ( ولذا قال أبو سليمان الداراني ) رحمه اللّه تعالى : ( من تزوّج أو طلب ) وفي نسخة : كتب ( الحديث أو اشتغل بالسفر فقد ركن إلى الدنيا ) تقدم في كتاب العلم ، ( وهذه آفات قد نبهنا عليها في كتاب العلم ) وذكرنا الوجوه والدواعي ، وكيف التخلص منها ، ( والحزم ) كل الحزم ( الاحتراز ) عنها ( بالعزلة وترك الإكثار من الأصحاب ما أمكن ) وقدر عليه ، ( بل الذي يطب الدنيا بتدريسه وتعليمه ووعظه وتذكيره ، ( فالصواب له إن كان عاقلا في هذا الزمان أن يترك ذلك ) ليسلم حاله ، ( فلقد صدق أبو سليمان ) أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب ( الخطابي ) البستي نسب إلى جده إمام فقيه محدث وله غريب الحديث ومعالم السنن وغيرهما توفي سنة 388 ( حيث قال ) في كتاب له سماه العزلة ( دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك فليس لك منهم مال ولا جمال ) هم ( إخوان العلانية ) أي يدعون الأخوّة في الظاهر ( أعداء السر ) أي يسرون العداوة في الباطن ، ( إذا لقوك ) في مجلس ( تملقوك ) أي تملقوا لك بأن أظهروا لك الحب والإخلاص ، ( وإذا غبت عنهم سلقوك ) بألسنتهم ، وفي نسخة : سبوك أي آذوك ( من أتاك منهم كان عليك رقيبا ) أي مراقبا لهناتك حافظا سيئاتك ، ( وإذا خرج كان عليك خطيبا ) يخبر الناس بعيوبك ويفصح لهم بلسانه ، ( أهل نفاق ونميمة وغل وخديعة فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم ، بل ) تحصيل ( الجاه والمال ) منك ، ( وأن يتخذوك سلما ) أي واسطة