إلا بالمخالطة إلا أن العلوم كثيرة وعن بعضها مندوحة ، وبعضها ضروري في الدنيا فالمحتاج إلى التعلم لما هو فرض عليه عاص بالعزلة ، وإن تعلم الفرض وكان لا يتأتى منه الخوض في العلوم ورأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل ، وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل ، فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران . ولهذا قال النخعي وغيره : تفقه ثم اعتزل ومن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته بنوم أو فكر في هوس ، وغايته أن يستغرق الأوقات بأوراد يستوعبها ، ولا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور يخيب سعيه ويبطل عمله بحيث لا يدري ، ولا ينفك اعتقاده في اللّه وصفاته عن أوهام يتوهمها ويأنس بها وعن خواطر فاسدة تعتريه فيها فيكون في أكثر أحواله ضحكة للشيطان وهو يرى نفسه من العباد . فالعلم هو أصل الدين فلا خير في عزلة العوام والجهال ، أعني من لا يحسن العبادة في الخلوة ولا يعرف جميع ما يلزمه فيها .
فمثال النفس مثال مريض يحتاج إلى طبيب متلطف يعالجه ، فالمريض الجاهل إذا خلا
شرح
بدّ من شيخ يريه طريق العلم ، وكذا التعليم يحتاج إلى تعديه للغير فلا بد من المخالطة ( إلا أن العلوم كثيرة وعن بعضها مندوحة ) أي سعة لا يحتاج إليها غالبا ، ( وبعضها ضروري في الدنيا ) لا بدّ منه ( فالمحتاج إلى تعلم ما هو فرض عليه ) إما عينا أو كفاية ( عاص بالعزلة ) لفواته ، ( وإن تعلم الفرض وكان لا يتأتى منه الخوض في العلوم ، ورأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل ) فإن ذلك القدر يكفيه ( وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل ) ويتأتى منه تحصيلها ( فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران ، ولهذا قال ) إبراهيم بن يزيد ( النخعي وغيره ) من أهل العلم : ( تفقه ) أي حصل من علوم الشرع ما تؤدي به فرضك ، ( ثم اعتزل ) ليكون بناء أمرك على أساس محكم ، ( ومن اعتزل قبل التعلم ) لما هو لازم عليه ( فهو في الأكثر مضيع أوقاته ) إما ( بنوم ) في غالب أوقاته ( أو فكر في هوس ) واختلاط ، ( وغايته أن يستغرق الأوقات بأوراد ) من أذكار وأحزاب ( يستوعبها فلا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور ) يغره الشيطان بها ، ( يخيب سعيه ويبطل عمله من حيث لا يدري ) ولا يشعر ( ولا ينفك في اعتقاده باللّه ) عز وجل ( وصفاته عن أوهام ) وأباطيل ( يتوهمها ) في نفسه ، ( ويأنس بها ) ويألف إليها ، ( وعن خواطر فاسدة تعتريه فيها ) ولا يكاد يتخلص منها ، ( فيكون في أكثر أحواله ضحكة للشيطان وهو يرى نفسه من العباد ) ويتخيل إليه أنه في زمرتهم ، ( فالعلم هو أصل الدين ) وأساسه الذي لا يتم إلّا به ، ( فلا خير ) إذا ( في عزلة العوام والجهال ) ، بل الأفضل في حقهم الاختلاط ومعاشرة أهل العلم ليتعلموا ما وجب عليهم . ( أعني ) بهؤلاء ( من لا يحسن العبادة في الخلوة ولا يعرف جميع ما يلزمه فيها ) ولو بطريق التقليد ، ( فمثال النفس مثال مريض يفتقر ) أي يحتاج ( إلى طبيب متلطف ) يوصل إليه الدواء بلطف ( ليعالجه ) حسبما يقتضيه نظره ، ( فالمريض الجاهل