تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة اللّه عليكم » . وقال عون بن عبد اللّه : كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموما ، كنت أرى ثوبا أحسن من ثوبي ودابة أفره من دابتي فجالست الفقراء فاسترحت . وحكي أن المزني رحمه اللّه خرج من باب جامع الفسطاط وقد أقبل ابن عبد الحكم في موكبه فبهره ما رأى من حسن حاله وحسن هيئته فتلا قوله تعالى :
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ
[ الفرقان : 20 ] ، ثم قال : بلى اصبر وارضى ، وكان فقيرا مقلا . فالذي هو في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن . فإن من شاهد زينة الدنيا ، فأما أن يقوي دينه ويقينه فيصبر فيحتاج إلى أن
شرح
الدنيا ( ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ) فيها ( فإنه أجدر ) أي أحق ( أن لا تزدروا ) أي لا تحتقروا ( نعمة اللّه عليكم » ) فإنكم إذا رأيتم من هو فوقكم طمحت نفسكم له واستصغرتم ما عندكم من نعم اللّه تعالى وحرصتم على الازدياد لتلحقوه أو تقاربوه ، وإذا نظرتم للدون تواضعتم وشكرتم ، وقد أخذ محمود الوراق هذا المعنى في قوله :لا تنظرن إلى ذوي * المال المؤثل والرياش فتظل موصول النها * ر بحسرة قلق الفراش وانظر إلى من كان * مثلك أو نظيرك في المعاش تقنع بعيشك كيف كا * ن وترض منه بانتعاشقال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة اه . قلت : وكذلك رواه أحمد والترمذي وابن ماجة والحكيم في نوادر الأصول . ( وقال عون بن عبد اللّه ) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد اللّه المكي ، عابد ثقة ، مات قبل سنة عشرين ومائة ، روى له مسلم وأصحاب السنن : ( كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموما ، كنت أرى ثوبا أحسن من ثوبي ودابة أفره من دابتي فجالست الفقراء فاسترحت ) من الغم ، ( وحكي أن المزني ) صاحب الشافعي ( رحمه اللّه تعالى خرج ) يوما ( من باب جامع الفسطاط ) هو جامع عمرو بن العاص رضي اللّه عنه والفسطاط : اسم لمصر ، ( وقد أقبل ) محمد بن عبد اللّه ( بن عبد الحكم في موكبه ) وكان ذا ثروة وأبهة ، ( فبهره ما رأى من حسن حاله وهيئته فتلا قوله تعالىوَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ ) وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً( ثم قال ) في نفسه : ( بلى أصبر وأرضى ، وكان ) المزني ( فقيرا ) متقشفا ( مقلا ) عادما ( فالذي هو في بيته لا يبتلي بمثل هذه الفتن ، فأما من شاهد زينة الدنيا ) وبهجتها لا يخلو من حالين : ( فإما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر ) على ما هو عليه ، ( فيحتاج إلى أن يتجرع مرارة الصبر وهو ) أي الصبر ( أمر من الصبر ) ككتف على الأشهر الدواء المر معروف وبالسكون لغة على التخفيف ، ومنهم من قال : لم يسمع تخفيفه في السعة .