تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
كتب صاحب لنا ، أما بعد ، فإن الناس كانوا دواء يتداوى به فصاروا داء لا دواء له ففر منهم فرارك من الأسد . وكان بعض الأعراب يلازم شجرا ويقول : هو نديم فيه ثلاث خصال ، إن سمع مني لم ينم عليّ ، وإن تفلت في وجهه احتمل مني ، وإن عربدت عليه لم يغضب ، فسمع الرشيد ذلك فقال : زهدني في الندماء . وكان بعضهم قد لزم الدفاتر والمقابر ، فقيل له في ذلك . فقال : لم أر أسلم من وحدة ولا أوعظ من قبر ولا جليسا أمتع من دفتر . وقال الحسن رضي اللّه عنه : أردت الحج فسمع ثابت البناني بذلك - وكان أيضا من أولياء اللّه - فقال : بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن أصحبك ، فقال له الحسن : ويحك دعنا نتعاشر بستر اللّه علينا إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من
شرح
حسده عليها وإن رأى به نقمة فرح بها . ( وقال ابن السماك ) هو أبو العباس محمد بن صبيح البغدادي الواعظ : ( كتب صاحب لنا أما بعد ، فإن الناس كانوا دواء يتداوى بهم فصاروا داء لا دواء له ففر منهم فرارك من الأسد . وكان بعض الأعراب ) من أهل البادية ( يلازم شجرة ) ويخدمها ويسقيها بالماء ويكنس حواليها ( ويقول : هو نديم فيه ثلاث خصال : إن سمع مني لم ينم علي ، وإن تفلت في وجهه احتمل مني ، وإن عربدت عليه لم يغضب علي ) والعربدة اختلاط كلام عند السكر ، ( فسمع ) هارون ( الرشيد ذلك . فقال : زهدني في الندماء ) أي هذه الخصال الثلاث من شروط النديم فمن لم توجد فيه لا يصاحب ، ( وكان بعضهم لزم الدفاتر ) أي مطالعة الكتب في أي فن كان ( والمقابر ) أي زيارتها في طرف النهار ( فقيل له في ذلك فقال : لم أر أسلم من وحدة ولا أوعظ من قبر ولا جليسا أمتع من دفتر ) . وفي ذلك قيل :نعم المحدث والجليس كتاب * تلهو به إن خانك الأصحاب لا مفشيا سرا إذا أودعته * يوما إذا ما ملك الأحباب( وقال الحسن ) البصري : ( أردت الحج ) إلى بيت اللّه الحرام ( فسمع ثابت ) بن أسلم أبو محمد ( البناني ) البصري ، وبنانة هم بنو سعد بن غالب ، ويقال : إنهم بنو سعد بن ضبيعة بن نزار ، ويقال : هم في ربيعة بن نزار باليمامة ، ( بذلك ، وكان أيضا من أولياء اللّه تعالى ) من ثقات التابعين . صحب أنس بن مالك أربعين سنة ، مات سنة سبع وعشرين ، روى له الجماعة ، وقد رؤي بعد موته يصلي في قبره ، وكان قد دعا اللّه بذلك فقال : اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره فاعطني الصلاة في قبري . فيقال : إنه استجيب له ذلك . ( فقال : بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن أصطحبك ) في الطريق ، ( فقال له الحسن : ويحك دعنا نتعاشر بستر اللّه إنني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه ) . وفي القوت ، وقال علي بن المديني ، قال لي أحمد بن حنبل : إني أحب أن أصحبك إلى مكة وما يمنعني من ذلك إلا أني أخاف أن أملك أو تملني لأنه يقال : إن ملل الأخوان ليس من أخلاق الكرام ، وقال مكحول ، قلت