الظن به ويتوهم أنه يستعد لمعاداته ونصب المكيدة عليه وتدسيس غائلة وراءه ، فالناس مهما اشتد حرصهم على أمر
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ
[ المنافقون : 4 ] ، وقد اشتد حرصهم على الدنيا فلا يظنون بغيرهم إلا الحرص عليها قال المتنبي :
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاد من توهم
وعادى محبيه بقول عداته * فأصبح في ليل من الشك مظلم
وقد قيل : معاشرة الأشرار تورث سوء الظن بالأبرار ، وأنواع الشر الذي يلقاه الإنسان من معارفه وممن يختلط به كثيرة ، ولسنا نطول بتفصيلها ففيما ذكرناه إشارة إلى مجامعها . وفي العزلة خلاص من جميعها . وإلى هذا أشار الأكثر ممن اختار العزلة فقال أبو الدرداء : اخبر تقله ، يروى مرفوعا . وقال الشاعر :
شرح
حيث لا ينفع الندم ، فكن متيقظا قبل خروجه منك ، ( ولا شك أن من اختلط بالناس وشاركهم في أعمالهم لم ينفك من حاسد ) يحسده ( وعدو يسيء الظن به ويتوهم ) في نفسه ( أنه يستعد لمعاداته أو لنصب المكيدة عليه ) أي الحيلة التي توقع في الكيد ، ( وتدليس غائلة وراءه ) أي تهيئة مصيبة من خفية ، ( فالناس مهما اشتد حرصهم على أمريَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) قاتلهم اللّه ، ( وقد اشتد حرصهم على الدنيا فلا يظنون بغيرهم إلا الحرص عليها ) فيعادونك لأجل ذلك ( وقيل ) قائله هو أحمد بن الحسين المتنبي الشاعر المشهور :( إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه * وصدق ما يعتاده من توهم )
( وعادى محبيه بقول عداته * وأصبح في ليل من الشك مظلم )يقول : تصديق الأوهام الفاسدة مما يعتاد عليها هو من سوء الظن بالناس المكتسب من سوء الفعل بسبب معاشرة الأشرار ، فهو يسمع كل قول ويصدقه ولو في حبيبه ، ويتبع كل هيعة فيطير إليها فهو أبدا بذلك في شك مظلم يمسي فيه ويصبح .
( وقد قيل : معاشرة الأشرار توجب سوء الظن بالأخيار ) يروى ذلك من قول علي رضي اللّه عنه ، ومنه أخذ المتنبي قوله المذكور . ( وأنواع الشرور التي يلقاها الإنسان من معارفه ومن يختلط به ) من أصحابه ، ( لسنا نطيل القول بتفصيلها وفيما ذكرناه إشارة إلى مجامعها ) ورؤوسها ، ( وفي العزلة خلاص من جميعها وإلى هذا أشار أكثر من اختار العزلة على الخلطة ، فقال أبو الدرداء ) رضي اللّه عنه : ( أخبر ) بضم الهمزة أمر من خبره إذا جربه ( تقله ) بفتح اللام وكسرها معا من قلاه يقلاه ويقليه قلى وقلى إذا أبغضه ، قال الجوهري : إذا فتحت مددت ، وتقلى لغة طيىء يقول : جرب الناس فإنك إذا جربتهم قليتهم وتركتهم لما يظهر