تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
أعظمهما أن حكايتها تهون على المستمعين أمر تلك الزلة ، ويسقط من قلوبهم استعظامهم الإقدام عليها فيكون ذلك سببا لتهوين تلك المعصية . فإنه مهما وقع فيها فاستنكر ذلك دفع الاستنكار وقال : كيف يستبعد هذا منا وكلنا مضطرون إلى مثله حتى العلماء والعباد ؟ ولو اعتقد أن مثل ذلك لا يقدم عليه عالم ولا يتعاطاه موفق معتبر لشق عليه الإقدام ، فكم من شخص يتكالب على الدنيا ويحرص على جمعها ويتهالك على حب الرئاسة وتزيينها ويهوّن على نفسه قبحها ويزعم أن الصحابة رضي اللّه عنهم لم ينزهوا أنفسهم عن حب الرئاسة ؟ وربما يستشهد عليه بقتال علي ومعاوية ويخمن في نفسه أن ذلك لم يكن لطلب الحق بل لطلب الرئاسة ، فهذا الاعتقاد خطأ يهون عليه أمر الرئاسة ولوازمها من المعاصي ، والطبع اللئيم يميل إلى اتباع الهفوات والإعراض عن الحسنات بل تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتنزيل على مقتضى الشهوة ليتعلل به وهو من دقائق مكائد الشيطان ، ولذلك وصف اللّه المراغمين للشيطان فيها بقوله :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[ الزمر : 18 ] وضرب صلّى اللّه عليه وسلم لذلك مثلا وقال : « مثل الذي يجلس يستمع الحكمة ثم لا يعمل إلا بشر ما يستمع كمثل رجل أتى راعيا فقال له : يا
شرح
تلك المعصية فإنه مهما وقع فيها فاستنكر ذلك ) عليه ( دفع الاستنكار وقال : كيف يستبعد مثل هذا ) منا ( وكلنا مفرطون إلى مثله حتى العلماء والعباد ؛ ولو اعتقد أن مثل ذلك لا يقدم عليه عالم ولا يتعاطاه مرموق ) أي منظور إليه ( متخصص ) وفي نسخة : معتبر ( لشق عليه الإقدام ) عليه ، ( فكم من شخص يتكالب على الدنيا ) أي يتواثب عليها ( ويحرص على جمعها ) من هنا ومن هنا ، ( ويتهالك على حب الرئاسة وتزيينها ) في عينه ( ويهون على نفسه قبحها ، ويزعم أن الصحابة رضي اللّه عنهم لم يزهدوا عن حب الرئاسة قديما ) ولم ينزهوا نفوسهم عنه ، ( وربما استشهد ) عليه ( بقتال علي ومعاوية رضي اللّه عنهما ) بصفين ، ( ويخمن ذلك في نفسه أن ذلك لم يكن لطلب الحق ) من باب الاجتهاد ، ( بل لطلب الرئاسة . فهذا الاعتقاد الخطأ يهون عليهم أمر الرئاسة ولوازمها من المعاصي ) وما يرتكبه مما يخالف المروءة ، ( والطبع اللئيم يميل إلى اتباع الهفوات والإعراض عن الحسنات ) لما جبل فيه من اللؤم فلا يرى إلا ما يناسبه ( بل إلى تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتنزيل على مقتضى الشهوة ) النفسية ( لتعلل به ) وفي نسخة بذلك ( وهذا من دقائق مكائد الشيطان ) ومن خفايا ضروب حيله ، ( ولذلك وصف اللّه تعالى المراغمين للشيطان فيها بقوله :الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُوضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلم لذلك مثلا وقال : « مثل الذي يجلس يستمع الحكمة ) وهي هنا كل ما يمنع من الجهل ويزجر عن القبيح ( ثم لا يحمل إلّا شر ما يستمع ) وفي رواية ولا يحدث عن صاحبه إلّا شر ما يسمع ( كمثل رجل أتى راعيا فقال له : يا راعي أجزرنا ) وفي
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 360 | مرتضى الزبيدي