أقول من عرف من عالم زلة حرم عليه حكايتها لعلتين ، إحداهما : أنها غيبة ، والثانية وهي
شرح
أعم من الأوّل ( إن لم يهب لك منه تجد ريحه » ) قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي موسى اه .
قلت : هما حديث واحد وقد أدرج المصنف بينهما كلاما من عنده ، واختلف في سياق لفظه فلفظ البخاري : « مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد لا يعدم من صاحب المسك إما يشتريه أو يجد ريحه وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحا خبيثة » . وهكذا رواه أيضا ابن حبان . وفي لفظ : « وفاتح الكير إما أن يحرق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة » ورواه ابن حبان أيضا والرامهرمزي في الأمثال بلفظ : « مثل الجليس الصالح مثل العطّار إن لم يصبك منه أصابك ريحه ، ومثل الجليس السوء مثل القيران إن لم يحرقك بشرره غلق بك من ريحه » ، وقد روي هذا أيضا من حديث أنس بلفظ : « ومثل جليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من شرره أصابك من دخانه » . هكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق قتادة عن أنس .
وبلفظ : « مثل الجليس الصالح مثل العطّار إن لم يعطك من عطره أصابك من ريحه ، ومثل الجليس السوء مثل الكير إن لم يحرق ثوبك أصابك من ريحه » هكذا رواه أبو داود أيضا وأبو يعلى وابن حبان في روضة العقلاء ، والحاكم والضياء في المختارة من طريق شبيل عن أنس . قال الراغب : نبه بهذا الحديث على أن حق الإنسان أن يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار ومجالستهم ، فهي قد تجعل الشرير خيرا ، كما أن صحبة الأشرار قد تجعل الخيّر شريرا . قال الحكماء : من صحب خيّرا أصاب بركة فجليس أولياء اللّه لا يشقى وإن كان كلبا ككلب أصحاب الكهف ، ولهذا قال الحكماء الأحداث بالبعد عن مجالس السفهاء . قال علي رضي اللّه عنه : لا تصحب الفاجر فإنه يريد لك فعله ويود لو أنك مثله . وقالوا : إياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري ، وليس أعداء الجليس جليسه بمقاله وفعاله فقط بل بالنظر إليه ، والنظر إلى الصور يؤثر في النفوس أخلاقا متناسبة لأخلاق المنظور إليه ، فإن من دامت رؤيته لمسرور سرّ أو لمحزون حزن ، وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات فالجمل الصعب يصير ذلولا بمقارنة الذلل ، والذلول قد ينقلب صعبا بمقارنة الصعاب ، والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الزابلة ، ولهذا تلتقط أهل الفلاحة الرمم عن الزروع لئلا تفسدها ، ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة فما الظن بالنفوس البشرية التي موضوعها القبول صور الأشياء خيرها وشرها ، فقد قيل : سمي الانس إنسا لأنه يأنس بما يراه خيرا أو شرا اه .
( ولهذا أقول : من عرف من عالم زلة حرمت عليه حكايتها ) للناس ( لعلتين إحداهما أنها غيبة ) لأنه ذكره بما يكرهه ، ( الثانية : وهي أعظمها أن حكايتها تهون على المستمعين أمر تلك الزلة ويسقط عن قلوبهم استعظامهم الإقدام عليها ، فيكون ذلك سببا لتهوين