تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
بعين الاستصغار ، وإلى عبادته بعين الاستحقار . وما دام يرى نفسه مقصرا فلا يخلو عن داعية الاجتهاد رغبة في الاستكمال واستتماما للاقتداء . ومن نظر إلى الأحوال الغالبة على أهل الزمان وإعراضهم عن اللّه وإقبالهم على الدنيا واعتيادهم المعاصي استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه . وذلك هو الهلاك . ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلا عن مشاهدته . وبهذه الدقيقة يعرف سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة » ، وإنما الرحمة دخول الجنة ولقاء اللّه وليس ينزل عند الذكر عين ذلك ولكن سببه وهو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الاقتداء بهم والاستنكاف عما هو ملابس له من القصور والتقصير ، ومبدأ الرحمة فعل الخير ومبدأ فعل الخير الرغبة ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين . فهذا معنى نزول الرحمة .
شرح
( العبادة ) والزهد وإيثار الآخرة ( والتنزه عن الدنيا ) بالتخلي عنها بالكلية ( فلا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار ) والاستقلال ( وإلى عبادته بعين الاستحقار وما دام يرى نفسه مقصرا ) في أحوالها ( فلا يخلو عن داعية الاجتهاد ) والتشمر والتيقظ ( رغبة في الاستكمال واستتماما للاقتداء ) بهم ، ( ومن نظر إلى الأحوال الغالبة على أهل الزمان ) الذي هو فيه ( وإعراضهم عن اللّه ) عز وجل ( وإقبالهم على ) زخارف ( الدنيا واعتيادهم المعاصي ) مرة بعد أخرى . ( استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة ) وميل ( في الخير يصادفها من قبله وذلك هو الهلاك ) أي سببه ( ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر ) إما بواسطة أو كتاب ( فضلا عن مشاهدته ) والحضور فيه ، ( وبهذه الدقيقة يعرف سر قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة » ) قال العراقي : ليس له أصل في الحديث المرفوع . وإنما هو قول سفيان بن عيينة . كذا رواه ابن الجوزي في مقدمة صفوة الصفوة اه . قلت : وسئل عنه تلميذه الحافظ ابن حجر فقال : لا أستحضره مرفوعا . وقال تلميذه الحافظ السخاوي في المقاصد : وسأل أبو عمر وأبا جعفر بن حمدان وهما صالحان بأي نية أكتب الحديث ؟ فقال : ألستم تروون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ؟ قال : نعم . قال : فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رأس الصالحين اه أشار بذلك أن له أصلا . وقال أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبو حاتم أحمد بن محمد بن الحسن ، حدثنا الحسن بن محمد الهيثمي ، حدثنا محمد بن حسين قال : سمعت ابن عيينة يقول : عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ، ووقع في كتاب جامع العلم لابن عبد البر عزوه إلى الثوري والمشهور الأول ( وإنما الرحمة ) المرادة هنا ( دخول الجنة ولقاء اللّه تعالى وليس ينزل عند الذكر عين ذلك ، ولكن سببه وهو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الاقتداء بهم والاستنكاف عما هو ملابس له من القصور والتقصير ، ومبدأ الرحمة فعل الخير ، ومبدأ فعل الخير الرغبة ، ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين ) ومقاماتهم وما اختصهم اللّه عز وجل من المعارف ، ( فهذا معنى نزول