واغتابوه وتشمروا لإيذائه ، فيذهب دينهم فيه ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم .
وأما مسارقة الطبع مما يشاهده من أخلاق الناس وأعمالهم فهو داء دفين قلما يتنبه له العقلاء فضلا عن الغافلين ، فلا يجالس الإنسان فاسقا مدة مع كونه منكرا عليه في باطنه إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد واستثقاله . إذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع فيسقط وقعه واستعظامه له ، وإنما الوازع عنه شدة وقعه في القلب ، فإذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أوشك أن تنحل القوة الوازعة ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه ، ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استحقر الصغائر من نفسه . ولذلك يزدري الناظر إلى الأغنياء نعمة اللّه عليه فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده وتؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أتيح له من النعم . وكذلك النظر إلى المطيعين والعصاة . هذا تأثيره في الطبع فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال الصحابة والتابعين في العبادة والتنزه عن الدنيا فلا يزال ينظر إلى نفسه
شرح
ثقيلا ( واغتابوه وتشمروا لإذايته ) والإستطالة فيه ، ( فيذهب دينهم فيه ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم ) والانتصاف بكل ما أمكن فيكون قد شغل نفسه بما يوقعه في الهلاك الأبدي .
( وأما مسارقة الطبع لما يشاهده من أخلاق الناس وأعمالهم ) وهيئاتهم ( فهو داء دفين ) في الباطن ( وما ينتبه له العقلاء ) الكاملون ( فضلا عن الغافلين ) والقاصرين ، ( فلا يجالس الإنسان فاسقا ) أو فاجرا ظالما غشوما ( مدة ) من الزمان ( مع كونه منكرا عليه في باطنه ) أي على فسقه وفجوره وظلمه ( إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل ) زمان ( مجالسته لأدرك فيها تفرقة في النفرة عن الفساد واستثقاله إذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة له هينا على الطبع ) سهلا ( ويسهل وقعه واستعظامه له ) عنه ، ( وإنما الوازع عنه ) أي المانع والحابس ( شدة وقعه في القلب ) وعظمته فيه ، ( فإذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أوشك أن تنحل القوّة الوازعة ) وتضعف ( ويذعن الطبع ) أي يطيع وينقاد ( للميل إليه ) بذاته . ( أو لما دونه ومهما طالت مشاهدته للكبائر ) الصادرة ( من غيره استحقر الصغائر من نفسه ) تهوينا بأمرها ، ( ولذلك يزدري الناظر إلى الأغنياء ) في تجملاتهم أي يحتقر ( نعمة اللّه عليه ) ولذلك نهي عن النظر إليهم ( فيؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده من النعم ) ويزدريها ( وتؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أتيح له من النعم ) وهو يرفل فيها فالمعية مؤثرة على كل حال وإليه الإشارة بقوله : وكونوا مع الصادقين . ( وكذلك النظر إلى المطيعين ) من عباد اللّه تعالى ، ( و ) إلى ( العصاة ) منهم ( هذا تأثيره في الطبع ) فإن الطبع سراق ( فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال الصحابة ) رضي اللّه عنهم ( و ) أحوال ( التابعين ) من بعدهم ( في ) أمر