عمري ، فسألت اللّه تعالى أن لا يجعل حظي من أيامي في مجاهدة قلبي ، فسكنه اللّه عن الاضطراب وألفه الوحدة والانفراد ، فلما نظرت إليك خفت أن أقع في الأمر الأول فإليك عني فإني أعوذ من شرك برب العارفين وحبيب القانتين ، ثم صاح : واغماه من طول المكث في الدنيا ، ثم حوّل وجهه عني ثم نفض يديه وقال : إليك عني يا دنيا لغيري فتزيني وأهلك فغري ، ثم قال : سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذة الخدمة وحلاوة الانقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان ، وجمع همهم في ذكره فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته . ثم مضى وهو يقول : قدوس قدوس . فإذا في الخلوة أنس يذكر اللّه واستكثار من معرفة اللّه وفي مثل ذلك قيل :
وإني لاستغشى وما بي غشوة * لعلّ خيالا منك يلقى خياليا
وأخرج من بين الجلوس لعلني * أحدث عنك النفس بالسر خاليا
ولذلك قال بعض الحكماء : إنما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة
شرح
ذلك تعبي وفني فيه عمري ) ولم أحصل ذلك ، ( فسألت اللّه عز وجل أن لا يجعل حظي من أيامي ) الباقية ( في مجاهدة قلبي ، فسكنه اللّه عز وجل عن الاضطراب ) والقلق ( وأنس الوحدة والانفراد ، فكلما نظرت إليك خفت أن أقع في الأمر الأوّل ) وهو الخلطة ، ( فإليك عني ) أي تنح عني بعيدا ( فإني أعوذ من شرك برب العالمين وحبيب القانتين ، ثم صاح ) وقال : ( واغماه من طول المكث في الدنيا ثم حوّل وجهه عني ثم نفض يديه وقال :
إليك عني يا دنيا لغيري فتزيني ولأهلك الذين أحبوك فغري ) أي أوقعيهم في الغرور ( ثم قال : سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذة الخدمة ) إشارة إلى العبادة ( وحلاوة الانقطاع ) عن الخلق ( ما ألهى قلوبهم ) أي شغلها ( عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان ) إلى هنا في غالب النسخ وفي بعضها بزيادة : ( وجمع هممهم في ذكره فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته ، ثم ) تركني و ( مضى وهو يقول : قدوس قدوس ) . وهذا رجل قد استهلك في حب اللّه وتنزه عما سواه ونزه اللّه عما لا يليق بجلاله وكبريائه ألوف بالوحدة نفور عن الكثرة ، ( فإذا في الخلوة أنس بذكر اللّه تعالى واستكثار من معرفة اللّه تعالى وفيه قيل ) .
( وإني لأستغشي وما بي غشوة ) وفي بعض النسخ وإني لاستغني وما بي غفوة ، وفي أخرى :
نعسة والغشوة والغفوة والنعسة بمعنى واحد ( لعل خيالا منك يلقى خياليا ) أشار به إلى الوصال المعنوي .
( وأخرج من بين الجلّاس ) أي الجماعة الجالسين ( لعلني أحدث منك النفس بالسر خاليا ) أشار به إلى المراقبة ومنها يتم المكالمة والمحادثة .
( ولذلك قال بعض الحكماء إنما استوحش الإنسان من نفسه ) وأنكرها ( لخلو ذاته عن