تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
استرجعت كراهية لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربي . وقال عبد اللّه بن زيد : طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة ، قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : يناجي اللّه في الدنيا ويجاوره في الآخرة ، وقال ذو النون المصري : سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاته ربه . وقال مالك بن دينار : من لم يأنس بمحادثة اللّه عز وجل عن محادثة المخلوقين فقد قلّ علمه وعمي قلبه وضيع عمره . وقال ابن المبارك : ما أحسن حال من انقطع إلى اللّه تعالى ! ويروى عن بعض الصالحين أنه قال : بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال فلما نظر إليّ تنحى إلى أصل شجرة وتستر بها فقلت : سبحان اللّه تبخل عليّ بالنظر إليك ؟ فقال : يا هذا إني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفني فيه
شرح
لقلة مخالطة الناس عامة ، ( وإذا رأيت الصبح ) قد انفجرو ( أدركني استرجعت ) أي قلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون وهي كلمة تقال عند حلول المصيبة ( كراهية لقاء الناس وان يجيئني من يشغلني عن ربي ) . أخرجه أبو نعيم في الحلية ، وفي ترجمة سفيان الثوري من طريق يزيد بن توبة قال : قال لي سفيان : إني لأفرح إذا جاء الليل ليس إلا لأستريح من رؤية الناس . ( وقال عبد اللّه بن زيد ) كذا في النسخ ، والصواب عبد الواحد بن زيد ، وهو البصري المذكر . قال البخاري والنسائي متروك كذا في الديوان للذهبي ، وقد روي عن الحسن البصري وأسلم الكوفي وغيرهما : ( طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة . قيل له : وكيف ذلك ؟ قال : يناجي اللّه في الدنيا ) أي في حال صلواته ، فإن المصلي يناجي ربه كما في الخبر ، ( ويجاوره في الآخرة ) في الفردوس الأعلى وهذه المجاورة هي ثمرة المناجاة . ( وقال ذو النون المصري ) قدس سره : ( سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربه ) وهو يحتمل أن يكون بمناجاة ربه إياه ، وذلك بتلاوة كلامه وأن يكون بمناجاته ربه وذلك بالصلاة والمراقبة . ( وقال مالك بن دينار ) أبو يحيى البصري : ( من لم يأنس بمحادثة اللّه عز وجل عن محادثة المخلوقين فقد قلّ علمه وعمي قلبه وضيع عمره ) . وعمى القلب كناية عن غلبة الران عليه . ( وقال ) عبد اللّه ( بن المبارك ) رحمه اللّه تعالى : ( ما أحسن حال من انقطع إلى اللّه عز وجل ) أي اعتزل عن الخلطة وحبب إليه الانقطاع إلى اللّه بالخلوة وتفرغ الفكر لعبادته . ( وروي عن بعض الصالحين أنه قال : بينا أنا أسير في بعض بلاد الشام إذا أنا بعابد ) من العباد ( خارج من بعض ) مغارات ( تلك الجبال فلما نظر إليّ تنحى ) أي صار في ناحية والتجأ ( إلى أصل شجرة وتستر بها ) أي بالشجرة ، وفي بعض النسخ به أي بأصل الشجرة ( فقلت : سبحان اللّه تبخل عليّ بالنظر إليك ! فقال : يا هذا ) عذري ( أني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها ) أي بعدم الميل إليها والمخالطة بأهلها ، ( فطال في