تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
ولكن صاحبكم خليل اللّه » ولن يسع الجمع بين مخالطة الناس ظاهرا والإقبال على اللّه سرا إلا قوّة النبوّة فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ، ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء إليه . فقد نقل عن الجنيد أنه قال : أنا أكلم اللّه منذ ثلاثين سنة والناس يظنون أني أكلمهم . وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحب اللّه استغراقا لا يبقى لغيره فيه متسع وذلك غير منكر ، ففي المشتهرين بحب الخلق من يخالط الناس ببدنه وهو لا يدري ما يقول ولا ما يقال له لفرط عشقه لمحبوبه ، بل الذي دهاه ملم يشوش عليه أمرا من أمور دنياه فقد يستغرقه الهم بحيث يخالط الناس ولا يحس بهم ولا يسمع أصواتهم لشدة استغراقه . وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء فلا يستحيل ذلك فيه ولكن الأولى بالأكثرين الاستعانة بالعزلة ، ولذلك قيل لبعض الحكماء : ما الذي أرادوا بالخلوة
شرح
خليلا ولكن صاحبكم خليل اللّه عز وجل » وهكذا رواه الطبراني ، وابن عساكر من حديث أبي واقد ، وفي لفظ لمسلم : « لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ اللّه صاحبكم خليلا » وقد تقدم في الكتاب الذي قبله ، ( ولن يسع الجمع بين مخالطة الخلق ظاهرا والإقبال على اللّه سرا إلا قوة النبوة ) إذ لها وجه إلى الخلق من حيث تبليغ الأحكام إلى الآنام ووجه إلى الحق من حيث المثول بين يديه ، والاستئناس بالقرب . فالوجه الأول هو وجه النبوة والثاني هو وجه الولاية وهي سر النبوة وخلاصها ، فقول من قال : الولاية أفضل من النبوة إنما يعني بها ولاية النبوة وقد جمع له صلّى اللّه عليه وسلم بين الوجهين في آن واحد . ( فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه ) عاجز عن شاوي الكمال ( فيطمع في ذلك ) أي اللحوق بهذا المقام ، فإنه صعب المرام تحيرت فيه الأفكار والأوهام ، ( ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء ) الكمل ( إليه ) وإليه الإشارة بقولهم : الصوفي بائن كائن باللّه وبائن عن الخلق ويسمى هذا مقام جمع الجمع ، ( فقد نقل عن ) سيد الطائفة أبي القاسم ( الجنيد ) قدس اللّه سره ( أنه قال : أنا أكلم اللّه ) أي أخاطبه ( منذ ثلاثين سنة والناس يظنون أني أكلمهم ) ، والدليل على أن المراد من قوله هذا الرمز إلى المقام المذكور قوله ( وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحب اللّه تعالى استغراقا لا يبقى لغيره فيه متسع ) وهو المرتبة الأحدية وهو أتم وأعلى من مقام الجمع ، ( وذلك غير منكر ففي المستهزئين ) وفي نسخة المشتهرين ( بحب الخلق ) أي بالعشق للصور الجميلة ( من يخالط الناس ببدنه وهو لا يدري ما يقول ) هو ( و ) لا ( ما يقال له لفرط عشقه ) وهيمانه ( لمحبوبه ) الذي سلب قراره لأجله ، ( بل الذي دهاه مملة ) أي نازلة ( تشوش عليه أمرا من أمور دنياه ، فقد يستغرقه الهم بحيث يخالط الناس ولا يحس بهم ، ولا يسمع أصواتهم ) كل ذلك ( لشدة استغراقه ) في حب محبوبه هذا أمر الدنيا . ( وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء ) الكمل ( فلا يستحيل ذلك فيه ) وهذا هو الخلوة في الجلوة ، ( ولكن الأول بالأكثرين ) من أهل السلوك ( الاستعانة بالعزلة ) فإنها نعم الوسيلة لإيصال السالك إلى المقام
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 340 | مرتضى الزبيدي