تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
والذكر فالعزلة أولى بهم . ولذلك كان صلّى اللّه عليه وسلم في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء وينعزل إليه حتى قوي فيه نور النبوّة . فكان الخلق لا يحجبونه عن اللّه فكان ببدنه مع الخلق وبقلبه مقبلا على اللّه تعالى حتى كان الناس يظنون أن أبا بكر خليله . فأخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن استغراق همه باللّه فقال : « لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا
شرح
هؤلاء تمنعهم المخالطة ) مع الخلق ( عن الفكر والذكر ) والمراقبة ( فالعزلة أولى بهم ) وهذا أول ملاحظ السادة النقشبندية . وكان شيخ المصنف أبو علي الفارمدي الطوسي على هذا المقام ، ( ولذا كان صلّى اللّه عليه وسلم في ابتداء أمره ) قبل نزول الوحي إليه ( يتبتل ) أي يتفرغ للعبادة وينقطع لها ( في ) غار من ( جبل حراء ) بكسر الحاء ممدود ويفتح مع القصر . قال عياض : يمد ويقصر ويذكر ويؤنث ويصرف ولا يصرف ، والتذكير أكثر فمن ذكره صرفه ومن انثه لم يصرفه يعني على إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل ، وقال الخطابي : يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة ، ويكسرون الراء وهي مفتوحة ، ويقصرون الألف وهي ممدودة . وقال التيمي في شرح البخاري : العامة لحنت في ثلاثة مواضع فتح الحاء وقصر الألف وترك صرفه وهو مصروف في الاختيار لأنه اسم جبل . قال الكرماني : بعد نقله عنهما : إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع وهو من الغرائب إذ بعدد كل حرف لحن ، وقال العيني : ولقائل أن يقول : كسر الراء ليس بلحن فإنه بطريق الإمالة وحراء بينه وبين مكة ثلاثة أميال إذا سرت إلى منى له قنة مشرفة إلى الكعبة . ( وينعزل إليه ) أي ينقطع عن الناس بمجاورته وسبب تخصيصه به دون جبال مكة ، لأنه كان يرى بيت ربه منه وهو عبادة قاله ابن أبي جمرة ، وهذا قد رواه البخاري في أول الصحيح من حديث عائشة بلفظ : « وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة » . الحديث ، ورواه أيضا في التفسير والتعبير ، ورواه مسلم في الإيمان والترمذي والنسائي في التفسير . ( حتى قوي فيه نور النبوة ) يشير إلى ما وقع في الحديث المذكور عند البخاري حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ( فكان الخلق لا يحجبونه عن اللّه فكان ببدنه مع الخلق ) في المخالطة ( وبقلبه مقبلا على اللّه تعالى ) وفي أثناء ذلك كانت تحصل له تفرقة بسبب فترة الوحي فكاد أن يتردى من رؤوس الجبال ، وذلك لغلبة الأشواق وكانت رؤية جبريل عليه السلام تخفف عنه ألم الشوق في الجملة لأنه السفير بين المحب والحبيب ، فإذا أبطأ عنه الرسول خاف الانقطاع في الوصول فيهم بإتلاف مهجته فيعلم صدق محبته فيتراءى له ويقول : يا محمد أنت رسول اللّه فيعلم أن العلقة باقية فيسكن قلبه وتقر عينه ، ( حتى كان الناس يظنون أن أبا بكر ) الصديق ( رضي اللّه عنه ) لكثرة العلاقة المعنوية بينه وبين النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( خليله ) الذي دخل وده شغاف قلبه ، ( فأخبر صلّى اللّه عليه وسلم عن ) مقامه الذي هو فيه من ( استغراق همه باللّه ) واستيلائه بكله حتى لم يبق فيه متسع للغير ( فقال : « لو كنت متخذا ) أحدا ( خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا لكن صاحبكم خليل اللّه » ) رواه مسلم من حديث ابن مسعود بلفظ : « لو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة