تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
يتعرض لها بالمخالطة ، كالنظر إلى زهرة الدنيا وإقبال الخلق عليها وطمعه في الناس وطمع الناس فيه ، وانكشاف ستر مروءته بالمخالطة والتأذي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه أو نميمته أو محاسدته أو التأذى بثقله وتشويه خلقته . وإلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة فلنحصرها في ست فوائد . الفائدة الأولى : التفرغ للعبادة والفكر والاستئناس بمناجاة اللّه تعالى عن مناجاة الخلق ، والاشتغال باستكشاف أسرار اللّه تعالى في أمر الدنيا والآخرة وملكوت السماوات والأرض ، فإن ذلك يستدعي فراغا ولا فراغ مع المخالطة ، فالعزلة وسيلة إليه . ولهذا قال بعض الحكماء : لا يتمكن أحد من الخلوة إلا بالتمسك بكتاب اللّه تعالى ، والمتمسكون بكتاب اللّه تعالى هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر اللّه الذاكرون اللّه باللّه عاشوا بذكر اللّه وماتوا بذكر اللّه ولقوا اللّه بذكر اللّه . ولا شك في أن هؤلاء تمنعهم المخالطة عن الفكر
شرح
محذورات يتعرض لها بالمخالطة كالنظر إلى زهرة الدنيا ) أي متاعها ( وإقبال الخلق عليها ، وطمعه في الناس وطمع الناس فيه ، وانكشاف ستر مروءته بالمخالطة ) مع الخلق ( والتأذي بسوء خلق الجليس ) أي المجالس له والمخالط ( في مرائه ) أي رؤيته ( أو سوء ظنه أو نميمة أو محاسدته ) في نعمة أوتيها ( أو التأذي بثقله ) وفي نسخة لثقله ( وتشوه خلقته ) أي تغيرها ، ( فإلى هذا يرجع مجامع فوائد العزلة فلنحصرها في ستة فوائد ) أي نذكرها محصورة فيها .

الفائدة الأولى : [ الفراغ للعبادة والتفكر ]

( الفراغ للعبادة والتفكر ) وفي نسخة الفكر ( والاستئناس يمناجاة اللّه سبحانه ) أي محادثته سرا ( عن مناجاة الخلق ) أي معرضا عنها ( والاشتغال باستكشاف أسرار اللّه تعالى ) أي التطلب لكشفها ( في أمر الدنيا والآخرة ) وما أودع في كل منهما ( وملكوت السماوات والأرض ) من أفلاك ونجوم ونبات وأشجار وجبال وفجاج وغير ذلك ، ( فإن ذلك ) أي التفكر في كل من ذلك ( يستدعي فراغا ) للخاطر ليترشح لكشف ذلك ( ولا فراغ مع المخالطة ) إذ يرد على الخواطر ما يتكدر عليها ، ( فالعزلة وسيلة إليه ) أي إلى الفراغ ، ( ولهذا قال بعض الحكماء : لا يتمكن أحد من الخلوة إلا بالتمسك بكتاب اللّه عز وجل ) ، ولا يتم التمسك إلا بمعرفة أسراره الظاهرة والباطنة ، ( والمتمسكون بكتاب اللّه هم الذين استراحوا من ) أشغال ( الدنيا بذكر اللّه ) حتى صار قوتا لأرواحهم وعمادا لقوتهم ( الذاكرون اللّه باللّه ) المستهترين فيه ، ( عاشوا بذكر اللّه وماتوا بذكر اللّه ولقوا اللّه باللّه ) فكان عيشهم به سعيدا وموتهم حميدا ولقاؤهم عيدا ، ورأوا ما آملوه قريبا إذ رأى غيرهم بعيدا . ( ولا شك في أن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 338 | مرتضى الزبيدي