اصطحب اثنان برهة من زمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بدّ أن يفترقا ، وهذا معنى خفي تفطن له الشعراء حتى قال قائلهم :
وقائل كيف تفارقتما * فقلت قولا فيه انصاف
لم يك من شكلي ففارقته * والناس أشكال وإلاف
فقد ظهر من هذا أن الإنسان قد يحب لذاته لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل بل لمجرد المجانسة والمناسبة في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية . ويدخل في هذا القسم الحب للجمال إذا لم يكن المقصود قضاء الشهوة فإن الصور الجميلة مستلذة في عينها وإن قدّر فقد أصل الشهوة حتى يستلذ النظر إلى الفواكه والأنوار والأزهار والتفاح المشرب بالحمرة وإلى الماء الجاري والخضرة من غير غرض سوى عينها ، وهذا الحب لا يدخل فيه
شرح
برهة من زمان ولم يتشاكلا في الحال فلا بد أن يفترقا ) . ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى : العلم جهل عند أهل الجهل كما أن الجهل جهل عند أهل العلم .
قال المناوي : حكى الشرواني أن تيمور لنك كان يحب رجلا من معتقدي العجم ويتردد إليه ، فوجد الرجل في قلبه ميلا لتيمور لنك فتخوف وقال : ما المناسبة فمنع تيمور لنك من دخوله عليه ، فسأله عن سببه فذكر ما خطر له فقال له تيمور : بيني وبينك مناسبة وهي حبك آل بيت النبي وأنا واللّه أحبهم وأنت رجل كريم وأنا أحب الكرم ، فهذه المناسبة المقتضية للميل لا ما فيّ من الشر .
قال : وحكى بعضهم أن اثنين اصطحبا في سفينة فقعد أحدهما على طرفها والآخر بوسطها فسقط من على الطرف في البحر فرمى الآخر نفسه عليه فأخرجا بالحياة فقال الأول للثاني : إن كنت بطرفها فوقعت فمالك أنت ؟ قال : لما وقعت أنت غبت بك عني فحسبت أنك أني ، ( وهذا معنى خفي تفطن له بعض الشعراء حيث قال ) ، ولفظ القوت : وقد أنشدنا بعض الشيوخ لبعض الأدباء :وقائل كيف يكون تفرقتما * فقلت قولا فيه انصاف
لم يك من شكلي ففارقته * والناس أشكال وإلافالإلاف : على وزن رمان جمع أليف ، ( فقد ظهر من هذا أن الإنسان قد يحب لذاته لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل بل بمجرد المناسبة ) والملاءمة ( والمناسبة في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية ) التي لا تدرك بالحواس الظاهرة ، ( ويدخل في هذا القسم الحب للجمال إذا لم يكن المقصود ) منه ( قضاء الشهوة ) الإنسانية ( فإن الصورة الجميلة مستلذة في عينها ) وحقيقتها ( وإن قدر فقد أصل الشهوة حتى يستلذ النظر إلى الفواكه ) المتنوّعة ( والأنوار والأزهار ) والرياحين ( والتفاح المشوب بالحمرة وإلى الماء ) سيما إذا كان متدفقا ( والخضرة من غير غرض ) عارض ( سوى عينها ) ولذا جمعت الثلاثة في قوله :