تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
وإن كان هو لا يشعر به ، وكان مالك بن دينار يقول : لا يتفق اثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر ، وإن أجناس الناس كأجناس الطير ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران إلّا وبينهما مناسبة ، قال : فرأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك فقال : اتفقا وليسا من شكل واحد ، ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال : من ههنا اتفقا ، ولذلك قال بعض الحكماء : كل إنسان يأنس إلى شكله كما أن كل طير يطير مع جنسه ، وإذا
شرح
شعب الإيمان موقوفا على ابن مسعود ، وذكره صاحب الفردوس عن معاذ بن جبل ولم يخرجه ولده في المسند انتهى . قلت : حديث ابن مسعود أخرجه العسكري في الأمثال من طريق إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عنه رفعه « الأرواح جنود مجندة فتشام كما تشام الخيل فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فلو أن رجلا مؤمنا جاء إلى مجلس فيه مائة منافق وليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه ولو أن منافقا جاء إلى مجلس فيه مائة مؤمن وليس فيه إلا منافق واحد لجاء حتى يجلس إليه » . وأما حديث معاذ الذي أورده الديلمي بلا سند فلفظه « لو أن رجلا مؤمنا دخل مدينة فيها ألف منافق ومؤمن واحد لشم روحه روح ذلك المؤمن وعكسه » . ( وهذا يدل على أن شبه الشيء منجذب إليه بالطبع وإن كان هو لا يشعر به ، وكان مالك بن دينار ) أبو يحيى البصري رحمه اللّه تعالى ( يقول : لا يتفق اثنان في عشرة ) ودوام صحبة ( إلا وفي أحدهما وصف من الآخر ) يناسبه ، ( وأن أشكال الناس كأجناس الطير ولا يتفق نوعان من الطير في الطيران ) في الهواء ( إلّا وبينهما مناسبة ) تكون سببا لاتفاقهما كذا في القوت . ( قال ) مالك : ( ورأى رجل ) ولفظ القوت : فرأى يعني مالكا ( غرابا مع حمامة فعجب من ذلك وقال : اتفقا وليسا من شكل واحد ) وكان يقول بالمناسبة فكاد ان ينكر على ذلك قال ، ( ثم طارا فإذا هما أعرجان ) أما الغراب ، فإنه يمشي مشية الأعراج ، وأما الحمامة فكان أصابها العرج حقيقة ، فقوله : هما أعرجان على التغليب أو كان العرج فيهما حقيقة ( فقال : من ههنا اتفقا ) كذا في القوت ، وهذه الحكاية اشتهرت بين الخواص نسبتها للمصنف وأنه هو الذي كان يقول بالمناسبة وهو الذي رأى غرابا وبلبلا يمشيان متفقين في صحن المسجد الأقصى ، فلما رأوا ذلك أنكروا على المصنف فتعجب من ذلك حتى كاد أن يقول بعدم التناسب ، فبينما كذلك إذ أخذ بحجر فرماهما به فطارا ، فإذا البلبل أعرج فقال : من ههنا اتفقا . وقد نسبه الشيخ المناوي هكذا وأشرت إليه في مقدمة كتاب العلم ، والصواب ما هنا فليتنبه لذلك ، ولولا أن نسخ هذا الشرح قد انتشرت في الحجاز وبلاد الترك والتكرور والسودان لغيرت فيها وبدلت ، ولكن كان ذلك قدرا مقدورا . ( وكذلك قال بعض الحكماء : كل إنسان يألف إلى شكله ) ولفظ القوت مع شبكله ( كما أن كل طير ) يألف ( مع جنسه ) يطير معه حيثما طار ، ( فإذا اصطحب اثنان