تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
معتزل تعرفه كافة الناس ؟ وكم من مخالط خامل لا ذكر له ولا شهرة ؟ فهذا تعرض لأمر لا يتعلق بالعزلة . واحتجوا بما روي أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه : « ألا أنبئكم بخير الناس » قالوا : بلى يا رسول اللّه ، فأشار بيده نحو المغرب وقال : « رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه ينتظر أن يغير أو يغار عليه ألا أنبئكم بخير الناس بعده ؟ » وأشار بيده نحو الحجاز وقال : « رجل في غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعلم حق اللّه في ماله اعتزل شرور الناس » ، فإذا ظهر أن هذه الأدلة لا شفاء فيها من الجانبين فلا بدّ من كشف الغطاء بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها بالبعض ليتبين الحق فيها .
شرح
الخمول وتوقي الشهرة ) عند الناس ، ( وذلك لا يتعلق بالعزلة ، فكم من راهب ) عابد ( معتزل ) عن الناس ( يعرفه كافة الناس ) أي جميعهم ؟ ( وكم من مخالط ) بالناس ( خامل ) بينهم ( لا ذكر له ولا شهرة ، فهذا تعرض لأمر لا يتعلق بالعزلة ) . ( واحتجوا بما روي عنه صلّى اللّه عليه وسلم ) أنه ( قال لأصحابه : « ألا أنبئكم بخير الناس ؟ قالوا : بلى ) يا رسول اللّه ( قال : فأشار بيده نحو المغرب فقال : رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل اللّه فينتظر أن يغير ) على العدو ( أو يغار عليه ) فهو متيقظ غير غفول . ( ألا أنبئكم بخير الناس بعده ) ؟ قالوا بلى يا رسول اللّه قال : ( وأشار بيده نحو الحجاز فقال رجل في غنيمة ) بالتصغير أي قطعة من غنم ( يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ) المفروضة في غنمه ( ويعلم حق اللّه في ماله ) للسائل والمحروم ( واعتزل ) شرور ( الناس » ) قال العراقي : رواه الطبراني من حديث أم مبشر إلا أنه قال : نحو المشرق بدل نحو المغرب ، وفيه ابن إسحاق رواه بالعنعنة . وللترمذي والنسائي نحوه مختصرا من حديث ابن عباس . قال الترمذي : حديث حسن اه . قلت : ورواه الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ : « خير الناس في الفتن رجل آخذ بعنان فرسه خلف أعداء اللّه يخيفهم ويخيفونه أو رجل معتزل في بادية يؤدي حق اللّه الذي عليه » . ورواه نعيم ابن حماد في الفتن عن طاوس مرسلا ، ورواه البيهقي في الشعب من حديث أم مبشر بلفظ : « خير الناس منزلة رجل على متن فرس يخيف العدو ويخيفونه » ورواه أحمد والطبراني من حديث أم مالك البهزية بلفظ : « خير الناس في الفتنة رجل معتزل في ماله يعبد ربه ويؤدي حقه ، ورجل آخذ برأس فرسه في سبيل اللّه يخيف العدو ويخيفونه » . ( فإذا ظهر أن هذه الأدلة لا شفاء فيها من الجانبين ) لما عرفت ( فلا بد من كشف الغطاء ) عن وجه الحق ( بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها ببعض ليتبين الحق فيها إن شاء اللّه تعالى ) بمنه وعونه .